إذا تأمل الإنسان في مكانته على الأرض وجد أنه المخلوق الذي غلب غيره من المخلوقات، ووجد أنه لم يخلق شيئاً من هذه المخلوقات التي يتصرف فيها كيفما شاء ، بل سيجد بتفكره أن الإمكانيات التي تمكن بها من أن يستخدم غيره ليست من خلقه ، فالعين التي يبصر بها ، واليد التي يعمل بها ، والقدم التي يتحرك بها ، والأذن التي يتعلم ويسمع بها والعقل الذي يفكر به ، والأعضاء المختلفة التي تحافظ على حياة الإنسان ، وهو بأكمله ليس من خلق نفسه وليس الإنسان بمالك لشيء من نفسه ولا لشيء من المخلوقات التي ينتفع بها ويسخرها لمصالحه فيكف تأتي للإنسان أن يتصرف فيما لا يملك؟!
ولا نجد جواباً لهذا السؤال إلا أن الخالق للإنسان والمخلوقات هو الله سبحانه وتعالى قد اختار الإنسان لدور الخلافة فسخر له المخلوقات وأعطاه إمكانيات تمكن بها من استخلاف غيره وتسخيرها.
الحكمة من الاستخلاف :
لا تكون الحكمة من الاستخلاف إلا أن يعمل المستخلف ما يريد صاحب الملك ، وهكذا فالحكمة من وجود الإنسان على الأرض واستخلافه عليها ليس إلا أن يعمل الإنسان ما يريد الخالق الذي خلقه في الأرض واستخلفه عليها . وطاعة الإنسان لربه هي العبادة :
قال تعالى :? وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي(56)مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِي(57)إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ?[الذاريات: 56-58] .
امتحان الطاعة :
وإذا كانت الحكمة من خلق الإنسان هي العبادة لله سبحانه وتعالى فإن هذه الحياة الدنيا ليست إلا امتحاناً لهذه الطاعة فقد اقتضت حكمة الله أن تكون الدنيا دار اختبار للطاعة، والآخرة دار الجزاء، والموت انتقال من دار العمل إلى دار الجزاء.