الزعيم السياسي هو الذي يتملق مشاعر القوم وخاصة عقائدهم ، أو هو الذي إذا عادى طائفة من الناس حرص أن يجامل الطوائف الأخرى الأقوياء لتكون عوناً له على الباقي، وهو الذي يحرص كل الحرص على إرضاء الناس ، أو التوفيق بين المنازعات المختلفة بين أتباعه ، وكان محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره يجد مجالاً خصباً في دعوته لمحاربة الدخيل المتحكم بالعرب من فرس وروم ، حتى ينتظم العرب أو أهل الحمية إلى صفة ، أو كان بإمكانه أن يثيرها طبقية فيجد الأغلبية المستقلة ، أو الكثير منها إلى صفه ، أو يعلنها حرباً خلقية ليكسب إلى صفة ذوي الأخلاق الرفيعة ، ولكنه صلى الله عليه وسلم خرج يدعو الناس جميعاً إلى دعوة جعلت العرب جميعاً كبيرهم وصغيرهم وفقيرهم وغنيهم جميعاً ضده ، وأخذ يهاجمهم في أعز ما يحرصون عليه في دينهم وتجارتهم ، إذ أن تهديم الأصنام كان يعني ترك العرب لزيارة مكة ، وحرمان أهلها من منافع اقتصادية كبيرة ، وإذا به يحارب هو وأتباعه صلى الله عليه وسلم ، ويطردون من مكة . ويفرون بدينهم بعيداً عن المال والولد.
فهل هذا هو سلوك سياسي؟! لا يدعو الناس إلا إلى عبادة الله وحده ، ولا يمني أتباعه إلا برضا ربهم عنهم يوم القيامة!!
ثم ها هي ذي قريش تعرض عليه صلى الله عليه وسلم الرئاسة ، والمال والجاه ، على أن يترك دعوته فلا تجد منه قريش إلا صداً شديداً وعزماً على المضي في دعوته وقت لا يزال أصحابه تحت العذاب، أو غرباء في الأرض، وبعد أن تحقق له النصر ، لم يفترض الحرير، ولم يلبس الديباج ، ولم يتزين بالذهب ، كان بيته صلى الله عليه وسلم كأبسط بيوت الناس ، وكان يمر عليه الشهران ولا توقد في بيته نار. قال عروة ـ وهو يسمع خالته عائشة تتحدث بهذا إليه ـ : يا خالتي ما كان يعيشكم . قالت : إنما هما الأسودان التمر والماء .