إن العاقل ليسخر من هذه الأوهام كما أنه لا يشك لحظة أن خالق النطف المنوية المذكرة والمؤنثة عليم بما يصنع في أعماق أحشاء الرجل والمرأة على السواء، حكيم في تقديره وتدبيره، كما لا يشك العاقل في أن الطبيعة ليست هي صاحبة ذلك العلم والتقدير .قال تعالى : ?نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ(57)أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ(58)أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ?[الواقعة : 57-59] .ويقول سبحانه : ?قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ(17)مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ(18)مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ(19)ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ(21)ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ?[عبس: 17-22] .
وتأمل كيف تتحول تلك النطفة المنوية بالغذاء السابح في دماء الأم إنسان كامل التصوير والتكوين والتركيب. فجزء من ذلك الغذاء يكون يداً ، وجزء مماثل يكون اليد الأخرى، وجزء يكون القدم ، وجزء يكون القدم المساوية الأخرى ، وجزء يكون العين ، وجزء يكون العين المساوية الأخرى ، وجزء يكون الرئة وجزء يكون المعدة، وجزء يكون الكبد، وجزء يكون العظام، وجزء يكون اللحم ، وجزء يكون الجلد وهكذا ..
فمن يشرف على ذلك التكوين الدقيق ، وعلى عملية البناء المنسقة المتساوية المتوازنة. المتماثلة، المتكاملة؟!
إن العقل ليستنتج مما يشاهد في خلق الإنسان وغيره من الكائنات أن خالق الإنسان والحيوان في ظلمات الأرحام أو داخل قبة البيضة لا شك خبير بما يخلق ، عليم بما ينشئ ، بصير بما يصنع.
فمن صاحب هذه الحكمة والبصيرة والخبرة والإدراك؟
هل الغذاء السابح في الدم هو صاحب تلك الحكمة والخبرة والبصيرة؟ أم أن النطفة التي تكون المبيض نصفها من غذاء الأم ، وكونت الخصية نصفها من غذاء الأب هي التي نظمت ، وأدركت ، وأحكمت ، ووازنت ، ودققت؟
إن ذلك الغذاء لا يملك إرادة ، أو حكمة ، أو بصيرة .