إن الإنسان يتكون من عنصرين: مادي ينمو ويتحرك وهو الجسم . ثم جوهري بريء من المادة، له تلك المظاهر الخاصة من تفكير ، وعلم ، وإرادة ، وحب ، وبغض ، وخلق كريم ، أو ذميم ، وهو الروح. ولكل من هذين العنصرين رغائب ، يتوق صاحبها إلى تحصيلها في أقصى حدودها، فللجسم رغائب من الطعام والشراب، إلى غيرهما من سائر الشهوات، واللذائذ الجسدية ، وللروح مدارج في الترقي ، يمكن أن تنال منها حظوظاً متفاوتة حسب سعيها ، ومجاهدتها .
ولقد اتصلت الروح بالبدن ، وفي هذا الاتصال أنواع من البلاء ، فصار كثير من الناس عبيداً لشهواتهم ، وانحطت بشريتهم ، وإنسانيتهم ، إلى درجة الحيوانية المحضة ، لا يرغبون من الحياة إلا في ألوان الطعام والشراب ، وسائر أنواع الشهوات ، بل بعضهم ينحدر إلى ما وراء الحيوانية المعتادة بما وهبوا من التفكير ، فيكشفون أنواعاً من الشهوات لا يصل إليها إلهام الحيوان .
لهذا جاء القرآن بتشريع روحي ، قوامه الإيمان بالله ، والتحقق بمعرفته معرفة يقينية ، لا يشوبها شك ، ولا يخالطها ريب ، معرفة تسمو بالإنسان إلى ذروة الكمال ، وتجعله فرداً صالحاً في المجتمع الإنساني ، وتنقذه من الأزمات النفسية التي تجتاحه اليوم من جراء جهله بربه الذي خلقه ، وخلق ما حوله ، وسخره له .
ثم دعا القرآن الإنسان أن يجاهد نفسه ، ويروضها على فعل الخير، وأن يصفي قلبه وينقيه من أدران الشهوة والهوى، والبغض، والحسد ، وسائر أمراض القلب من الأخلاق الذميمة لتجتمع النفوس على المحبة والإخاء والسلام .
لا هداية للإنسان بدون علم التوحيد :
ولا يمكن للإنسان أن يهتدي إلى الحق في تصرفاته بدون علم التوحيد ولكي تتضح هذه الحقيقة هيا لندرس هذه الظاهرة العجيبة .
ينقسم العلم البشري في المدارس والجامعات إلى نوعين من الدراسة :