وأما الجود بالمال فحديثٌ ذو شجون، وأخبار الأجواد في ذلك كثيرة، وقد تواترت النصوص في الحث عليه والترغيب فيه والله -عز وجل- يقول: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [(245) سورة البقرة] ويقول مرغباً فيه: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [(261) سورة البقرة] وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعمق هذا المفهوم في نفوس أصحابه عملياً، وكان يضرب لهم الأمثال في ذلك.
وقد سألهم مرةً عن أحب المالين إلى الإنسان هل هو المال الذي بيده أو مال وارثه؟ ثم أوضح لهم أنه ليس للإنسان إلا ما أنفق وقدم.
وقال عن الشاة كما في الحديث المعروف في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها-: "بقيت إلا كتفها" حيث أنهم تصدقوا بها جميعاً كما سيأتي وأبقوا الكتف، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((بقي كلها غير كتفها))(1).
وفي الحديث المشهور: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً))(2) وهي خصلة كريمة كانت موجودة في العرب قبل الإسلام، وأكدها الإسلام، واستمر المؤمنون عليها.
وكان بعض السلف -رضي الله تعالى عنهم- يقول: "إني لأستحي من الله -عز وجل- أن أساله الجنة لأخٍ من إخواني، وأقول له: إني أحبك في الله، ثم أمنعه شيئاً من الدنيا"، وكان بعضهم لربما اغتمَّ من طروء المال عليه حتى يفرقه كما سيأتي.
(1) - أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع (ج 9/ص10) (2394) وصححه الألباني في الصحيحة رقم(2544).
(2) - أخرجه البخاري في (ج 5 / ص 270)(1351) ومسلم في كتاب الزكاة باب في المنفق والممسك (ج 5 / ص 182) (1678).