تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الجود بالنفس ما فعله أحمد بن نصر الخزاعي الإمام الكبير الشهير المعروف، وذلك في قصته مع الواثق في قضية محنة القول بخلق القرآن، فلما سأله الواثق عن ذلك؟ قال له: القرآن كلام الله غير مخلوق، فقال له: ما تقول في الرؤية؟ قال: يراه المؤمنون بأبصارهم يوم القيامة، ودعا الواثق بالصمصامة وقام وقال: أحتسب خطاي إلى هذا الكافر فضرب عنقه بعد أن مدوا له رأسه بحبل وهو مقيد، ونصب رأسه بالجانب الشرقي من بغداد، وتتبع أصحابه فسجنوا، وبقي الرأس منصوباً بسامراء معزولاً عن الجسد الذي كان في ناحية أخرى بقي ست سنين، إلى أن أُنزل بعد ذلك، قال عنه الإمام أحمد -رحمه الله-: "رحمه الله لقد جاد بنفسه".

وهكذا ما فعله سعيد بن جبير -رضي الله تعالى عنه- في قصته الشهيرة مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وهكذا ما فعله الإمام أحمد حينما ثبت ذلك الثبات العظيم أمام المأمون والمعتصم والواثق، كلُّ ذلك يحاولونه أن يقول قولاً له فيه مخرج، وكان يأبى، وصارم في ذلك أشد المصارمة حتى صار بعده بحقٍ هو إمام أهل السنة والجماعة.

ومما يُذكر أيضاً وهو من عجيب ما يُذكر في بذل النفس والجود بها، ما ذكر في أخبار مصر في بعض القرون السالفة أنه لما احترق أحد المساجد فيها، ظن المسلمون أن النصارى هم الذين أحرقوه، فعمدوا إلى خانٍ للنصارى فأحرقوه، فقبض السلطان على جماعة من الذين أحرقوا الخان، وكتب رقاعاً فيها القتل، وفيها القطع، وفيها الجلد، ثم لم يبين شيئاً منها لهؤلاء الناس، وأمر كل واحدٍ أن يأخذ رقعةً من هذه الرقاع، فوقعت رقعةٌ بها القتل في يد رجل، فقال: والله ما أبالي بالقتل لولا أمٍ لي، وكان بجانبه بعض الفتيان فقال: في رقعة الجلد وليس لي أم فادفع إلي رقعتك، وخذ رقعتي، فتبادلا فقُتل ذاك وجُلد هذا، وهذا من أعجب ما يكون من بذل النفوس.

الجود في رمضان · الصفحة ٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الجود في رمضانص ٧