تحلَّ بحلية الرجال ... وخض غمرات القتال
ومِن مصائب عصرنا – وما أكثر مصائبه – أن القيام بعبادة الجهاد، وخوض غمار المخاطر والمغامرات، والتمرد على الواقع المُكبِّل للأيدي والأرجل، والغالّ للأعناق بأنواع الأطواق، والمميت للقلوب، وعدمَ التقيد (بالرسميات) -أصبح في عرف الكثيرين سمةً من سمات التهور والطيش والخفة والشبابية!، حتى إن كثيراً من العلماء كاد ينغرس في قلوبهم أن حمل السلاح واستنشاق النقع والمرابطة في الثغور والإقامة في معسكرات الجهاد وتحمُّل شظَفها وبذاذة عيشها والاختلاط بالمجاهدين فيها كُل ذلك يناقض الوقار والسكينة والرزانة والرصانة وحُسن السمت والحِلم والأناة ونحوها من الصفات التي ينبغي للعالم أن يتحلَّى بها، فلوكان هذا الأمر حقاً لما كان لصاحبه عذراً، فكل تكملة من حيث هي تكملة إذا عادت على أصلها بالبطلان فهي باطلة، وما ذلك إلا ضربٌ من ضروب التعلق بالدنيا والركون إلى مظاهرها والمبالغة في تعظيمها، بل هو من وساوس الشيطان وحبائله التي يصيد بها مَن اتبع خطواته فيصده عن الطاعة، والقناعةُ بها هي استسلامٌ للشيطان، وإلا فتكفي غزوة ذات الرِّقاع لتزيل هذه الشبهات المرقَّعة والتي لا تقي حَّراً ولا تدفع قُراً، ولا تنقذ أمَّةً أو تعلي همّةً، ولله درُّ سيد بيان الغرب محمد البشير الإبراهيمي –رحمه الله- حيث يقول: [ومن الكيد الكُبّار الذي رمى به الأمراءُ المستبدون هؤلاء العلماء الضعفاء في العصور الأخيرة أنهم يعفونهم من الجندية التي هي حلية الرجال.
وإن في قبول العلماء لهذا الإعفاء، وسعيهم له لشهادة يسجلونها على أنفسهم بفقد الرجولة؛ وقد استطابوا هذا الإعفاء، وأصبحوا يعدونه تشريفاً لهم، وتنويهاً بمكانتهم، ومعجزة خصوا بها، ودليلاً تقيمه الحكومات الإسلامية على احترامها للعلماء!!!
فهل يعلمون أن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الملوك الصالحين ما كانوا ليُعفوا عالماً من بعوث الجهاد والفتح؟ وما كان مسلم فضلاً عن عالم ليطلب الإعفاء أو يتسبب له أو يرضى به لو عرض عليه، بل كانوا يتسابقون إلى ميادين الجهاد، والعالم الديني – دائماً- في المقدمة لا في الساقة، ولقد كانوا يعدون الاعتذار عن الخروج من سمات المنافقين.] اهـ.
ومن تأمل سيرة الصحابة رضوان الله عليه رأى عجباً في تنافسهم على الجهاد ونفورهم عن البقاء مع الخالفين، وربما لم يكن مطلب أحدهم إلا أن يقتل فيدخل الجنة، بل حتى شهداؤهم