تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْقَوْلِ لَزِمَكَ حُكْمُهُ، وَلَك أَنْ لَا تَخْتَارَهُ، وَتَصِيرُ إلَى قَوْلِ النَّبِيِّ الْآخَرِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُك مَا يَخْتَارُهُ، وَيَجُوزُ وُرُودُ الْعِبَارَةِ بِمِثْلِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ وَاحِدٍ أَيْضًا. بِأَنْ يَقُولَ: أَنْتَ مُخَيَّرٌ بِأَنْ تُلْزِمَ نَفْسَك أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ مِنْ حَظْرٍ أَوْ إبَاحَةٍ. أَلَا تَرَى: أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ وُرُودُ النَّصِّ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، بِأَنْ يُقَالَ (لَهُ): أَنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ تَجْعَلَهُ طَلَاقًا، أَوْ لَا تَجْعَلَهُ كَذَلِكَ.

فَإِنْ جَعَلْتَهُ طَلَاقًا كَانَتْ مُحَرَّمَةً، وَإِنْ لَمْ تَجْعَلْهُ طَلَاقًا لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْكَ. كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ مُخَيَّرٌ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا بَيْنَ أَنْ يُحَرِّمَ امْرَأَتَهُ بِالطَّلَاقِ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يُحَرِّمَهَا، فَيَكُونَ عَلَى حَالِهَا، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُحَرِّمَ أَمَتَهُ بِالْعِتْقِ، وَبَيْنَ تَرْكِهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالرِّقِّ. وَإِذَا كَانَ جَائِزٌ وُرُودُ النَّصِّ بِمِثْلِهِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ، جَازَ أَنْ يَفْرِضَهُ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، وَيَكُونَ وُرُودُ الْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ الشَّرِيطَةِ حُكْمًا لِلَّهِ تَعَالَى، كَمَا خَيَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي أَمْرِ نِسَائِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْك مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] . وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ مُخَالَفَةَ أَحَدِ النَّبِيَّيْنِ إذَا صَدَرَ الْأَمْرُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا. فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُرَادُ السَّائِلِ بِذِكْرِ الْمُخَالَفَةِ مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ فَلَا، وَإِنْ أَرَادَ مُخَالَفَةَ الْفِعْلِ فَجَائِزٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا، لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَدْ عَقَدَ أَمْرَهُ بِشَرِيطَةِ اخْتِيَارِك لَهُ، دُونَ اخْتِيَارِ (أَمْرِ) النَّبِيِّ - ﷺ - الْآخَرِ. فَإِذَا اخْتَارَ أَمْرَ النَّبِيِّ الْآخَرِ، لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

الفصول في الأصول · الجزء ٤ · الصفحة ٣٤٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفصول في الأصولج ٤ · ص ٣٤٢