الثالث: أن التنصيص على مسألة صوم النذر كما في بعض الروايات، مع ورود رواية عامة، وهي: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليه" يرجع إلى مسألة أصولية: أن التنصيص على بعض صور العام وأفراده لا يصلح ولا يقتضى تخصيصه وتقييده (١).
يقول ابن دقيق العيد: "وهو المختار في علم الأصول" (٢).
الرابع: تخصيص العام بالنذر إنما يكون إذا دلّ دليل على أن الحديث واحد، وهذا بعيد للتباين في الروايات، ففي بعضها: "إن السائل رجل" وفي أخرى: "إنه امرأة"، والمقرر في علم الحديث: "أنه يُعرف كون الحديث واحدًا باتحاد سنده ومخرجه، وتقارب ألفاظه" (٣).
الخامس: قول ابن عباس رضي الله عنهما بالتفريق بين النذر وغيره، فإنه أثر موقوف، وهو لا يقوى على معارضة المرفوع الصريح في دلالته على عموم القضاء في كل صوم واجب.
وأيضًا فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما رواية موقوفة صرّح فيها بالإطعام في صوم رمضان والنذر معًا، فاختلف قوله، فكان المرفوع بعمومه أولى بالاتباع.
السادس: أما التفريق بين النذر وغيره؛ لأن النذر أخف حكمًا من الواجب بأصل الشرع، كصوم رمضان والكفارات لكون الناذر أوجبه على نفسه، فيمكن مناقشته فيما يظهر -والله أعلم- من وجهين:
الوجه الأول: إن الناذر إنما كان سببًا في ذلك الإيجاب بتلفظه بالنذر، ولكن الأصل في وجوب الوفاء بالنذر إنما هي الأدلة الشرعية الواردة، فكان
(١) قواعد الفقه للمجدِّدي ص ٧٢.
(٢) إحكام الأحكام، نفسه ص ٤١٠.
(٣) نفسه.