طَلَاق اَلْمَجْنُون (١)
(س حم)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (" رُفِعَ الْقَلَمُ (٢) عَنْ ثَلَاثٍ (٣): عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ (٤) حَتَّى يَحْتَلِمَ (٥) وَعَنْ الْمَجْنُونِ (٦) حَتَّى يَعْقِلَ (٧» (٨) (أَوْ يُفِيقَ (٩)؟ ") (١٠)
(١) قال ابن قدامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الزَّائِلَ الْعَقْلُ بِغَيْرِ سُكْرٍ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ، كَذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأيِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ فِي حَالِ نَوْمِهِ، لَا طَلَاقَ لَهُ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ ": رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنْ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ.
وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْعَقْلُ، كَالْبَيْعِ.
وَسَوَاءٌ زَالَ عَقْلُهُ لَجُنُونٍ، أَوْ إغْمَاءٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ، أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ شُرْبُهُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُزِيلٌ لِلْعَقْلِ، فَكُلُّ هَذَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
فَأَمَّا إنْ شَرِبَ الْبَنْجَ وَنَحْوَهُ مِمَّا يُزِيلُ عَقْلَهُ، عَالِمًا بِهِ، مُتَلَاعِبًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ السَّكْرَانِ فِي طَلَاقِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَقَع طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَذُّ بِشُرْبِهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ زَالَ عَقْلُهُ بِمَعْصِيَةٍ، فَأَشْبَهَ السَّكْرَانَ. المغني - (١٠/ ٣٤٥)
(٢) هُو كِنَايَة عَنْ عَدَم كِتَابَة الْآثَام عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْأَحْوَال، وَهُوَ لَا يُنَافِي ثُبُوتَ بَعْض الْأَحْكَام الدُّنْيَوِيَّة وَالْأُخْرَوِيَّة لَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَحْوَال، كَضَمَانِ الْمُتْلَفَات وَغَيْرِه، فَهَذَا الْحَدِيث " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأ " مَعَ أَنَّ الْقَاتِلَ خَطَأٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَة، وَعَلَى الْعَاقِلَة الدِّيَة، وَلِهَذَا، الصَّحِيحُ أَنَّ الصَّغِيرَ يُثَابُ عَلَى الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْمَال. شرح سنن النسائي - (٦/ ١٥٦)
وحكى ابنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ سُئِلَ عَنْ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ، فَقَالَ: لَا يَصِحُّ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَعُورِضَ بِأَنَّ الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْهُ قَلَمُ الْمُؤَاخَذَةِ، وَأَمَّا قَلَمُ الثَّوَابِ فَلَا، لِقَوْلِهِ - ﷺ - لِلْمَرْأَةِ لَمَّا سَأَلَتْهُ: (أَلِهَذَا حَجٌّ؟، قَالَ: نَعَمْ)، وَلِقَوْلِهِ - ﷺ -: (مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ)، فَإِذَا جَرَى لَهُ قَلَمُ الثَّوَابِ، فَكَلِمَةُ الْإِسْلَامِ أَجَلُّ أَنْوَاعِ الثَّوَابِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهَا تَقَعُ لَغْوًا، وَيُعْتَدُّ بِحَجِّهِ وَصَلَاتِهِ؟.عون٤٣٩٩
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَهَذَا فِي الصَّبِيِّ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الْمَجْنُونِ فَلَا تَتَّصِفُ أَفْعَالُهُ بِخَيْرٍ وَلَا شَرٍّ، إذْ لَا قَصْدَ لَهُ، وَالْمَوْجُودُ مِنْهُ مِنْ صُوَرِ الْأَفْعَالِ لَا حُكْمَ لَهُ شَرْعًا، وَأَمَّا فِي النَّائِمِ فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ مُنْتَفٍ أَيْضًا، فَلَا حُكْمَ لِمَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ الْأَفْعَالِ حَالَ نَوْمِهِ. وَلِلنَّاسِ كَلَامٌ فِي تَكْلِيفِ الصَّبِيِّ بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ أَوْ بِبَعْضِهَا لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهِ، وَكَذَلِكَ النَّائِمُ. نيل الأوطار - (٢/ ٢٤)
(٣) أَيْ: ثلاثة أصناف من الناس.
(٤) قَالَ السُّبْكِيُّ: الصَّبِيُّ: الْغُلَامُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْوَلَدُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ يُسَمَّى جَنِينًا، فَإِذَا وُلِدَ فَصَبِيٌّ، فَإِذَا فُطِمَ فَغُلَامٌ إِلَى سَبْعٍ، ثُمَّ يَصِيرُ يَافِعًا إِلَى عَشْرٍ، ثُمَّ حَزْوَرًا إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ.
وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ يُسَمَّى صَبِيًّا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، قَالَهُ السُّيُوطِيُّ. عون٤٣٩٨
(٥) وفي رواية: (حَتَّى يَكْبُرَ)، قَالَ السُّبْكِيُّ: لَيْسَ فِيهَا مِنَ الْبَيَانِ، وَلَا فِي قَوْلِهِ (حَتَّى يَبْلُغَ) مَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: (حَتَّى يَحْتَلِمَ) فَالتَّمَسُّكُ بِهَا أَوْلَى، لِبَيَانِهَا وَصِحَّةِ سَنَدِهَا.
وَقَوْلُهُ: (حَتَّى يَبْلُغَ) مُطْلَقٌ، وَالِاحْتِلَامُ مُقَيَّدٌ، فَيُحْمَلُ عليه، فإن الاحتلام بُلُوغٌ قَطْعًا وَعَدَمُ بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ، لَيْسَ بِبُلُوغٍ قَطْعًا. عون٤٣٩٨
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: (حَتَّى يَحْتَلِمَ) عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: يُؤَاخَذُ قَبْلَ ذَلِكَ بِالرِّدَّةِ.
وَكَذَا مَنْ قَالَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمُرَاهِقِ، وَيُعْتَبَرُ طَلَاقُهُ، لِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى: (حَتَّى يَكْبُرَ) وَالْأُخْرَى: (حَتَّى يَشِبَّ).
وتعقَّبَه ابن الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ (حَتَّى يَحْتَلِمَ) هِيَ الْعَلَامَةُ الْمُحَقَّقَةُ، فَيَتَعَيَّنُ اعْتِبَارُهَا وَحَمْلُ بَاقِي الرِّوَايَاتِ عَلَيْهَا. عون٤٣٩٩
(٦) قَالَ فِي التَّلْوِيحِ: الْجُنُونُ اخْتِلالُ الْقُوَّةِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ الأُمُورِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ الْمُدْرِكَةِ لِلْعَوَاقِبِ، بِأَنْ لا تَظْهَرَ آثَارُهُ وَتَتَعَطَّلُ أَفْعَالُهَا، إمَّا لِنُقْصَانٍ جُبِلَ عَلَيْهِ دِمَاغُهُ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَإِمَّا لِخُرُوجِ مِزَاجِ الدِّمَاغِ عَنْ الاعْتِدَالِ بِسَبَبِ خَلْطٍ أَوْ آفَةٍ، وَإِمَّا لاسْتِيلاءِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ وَإِلْقَاءِ الْخَيَالاتِ الْفَاسِدَةِ إلَيْهِ، بِحَيْثُ يَفْرَحُ وَيَفْزَعُ مِنْ غَيْرِ مَا يَصْلُحُ سَبَبًا. أ. هـ (ابن عابدين ٣/ ٢٤٣)
(٧) أَيْ: إلى أن يرجع إليه تدبُّرُه وفهمه للأمور. ذخيرة (ج٢٨ص٣٥٢)
(٨) (حم) ٢٤٧٣٨، (خم) ج٨ص١٦٥، (س) ٣٤٣٢، (ت) ١٤٢٣، (د) ٤٤٠٢، انظر صَحِيح الْجَامِع: ٣٥١٢، المشكاة: ٣٢٨٧، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده جيد.
(٩) وفي رواية لأبي داود: ٤٤٠٣ (زَادَ فِيهِ: وَالْخَرِفِ)
مِنَ الْخَرَفِ، وَهُوَ: فَسَادُ الْعَقْلِ مِنَ الْكِبَرِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: يَقْتَضِي أَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي زَالَ عَقْلُهُ مِنْ كِبَرٍ، فَإِنَّ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ اخْتِلَاطُ عَقْلٍ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّمْيِيزِ، وَيُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ، وَلَا يُسَمَّى جُنُونًا، لِأَنَّ الْجُنُونَ يَعْرِضُ مِنْ أَمْرَاضٍ سَوْدَاوِيَّةٍ، وَيَقْبَلُ الْعِلَاجَ، وَالْخَرَفُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: حَتَّى يَعْقِلَ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إِلَى الْمَوْتِ، ولو بَرَأَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بِرُجُوعِ عَقْلِهِ، تَعَلَّقَ بِهِ التَّكْلِيفُ فَسُكُوتُهُ عَنِ الْغَايَةِ فِيهِ لَا يَضُرُّ، كَمَا سَكَتَ عَنْهَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي الْمَجْنُونِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا، لَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَجْنُونِ، كَمَا أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي مَعْنَى النَّائِمِ، فَلَا يَفُوتُ الْحَصْرُ بِذَلِكَ إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْمَعْنَى، فَهُمْ فِي الصُّورَةِ خَمْسَةٌ: الصَّبِيُّ، وَالنَّائِمُ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمَجْنُونُ، وَالْخَرِفُ، وَفِي الْمَعْنَى ثَلَاثَةٌ. عون٤٤٠٣
(١٠) (س) ٣٤٣٢، (جة) ٢٠٤١، (د) ٤٤٠٠