حُكْمُ دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَى الْإِمَام
قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ﴾ (١)
(خ م حم)، وَعَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَالَ: (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ) (٢) (أَرَادَ أَبُو بَكْرٍ قِتَالَهُمْ) (٣) (فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ) (٤) (كَيْفَ تُقَاتِلُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَهُمْ يُصَلُّونَ؟) (٥) (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله (٦) "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَلَاةِ وَالزَّكَاةِ (٧) فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ (٨) وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا (٩) وفي رواية: (عِقَالًا) (١٠) كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ (١١» (١٢).
(١) [التوبة/١٠٣]
(٢) (خ) ٦٥٢٦، (م) ٢٠
(٣) (حم) ١٠٨٥٢، (س) ٣٩٧٥
(٤) (خ) ٦٥٢٦، (م) ٢٠
(٥) (حم) ١٠٨٥٢، وقال الشيخ شعيب الأرناءوط: إسناده حسن.
(٦) قَالَ الْخَطَّابِيّ: زَعَمَ الرَّوَافِضُ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ مُتَنَاقِضٌ، لِأَنَّ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهُمْ كَفَرُوا، وَفِي آخِرِهِ أَنَّهُمْ ثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنَّهُمْ مَنَعُوا الزَّكَاة، فَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ اِسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ وَسَبْيَ ذَرَارِيّهمْ؟
وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا، فَكَيْف احْتَجَّ عَلَى عُمَرَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْن الصَّلَاة وَالزَّكَاة؟، فَإِنَّ فِي جَوَابِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّلَاةِ.
قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ كَانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ رَجَعُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَان، وَصِنْفٌ مَنَعُوا الزَّكَاة، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، فَزَعَمُوا أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ خَاصٌّ بِهِ - ﷺ - لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُطَهِّرُهُمْ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ، فَكَيْف تَكُونُ صَلَاتُهُ سَكَنًا لَهُمْ؟، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بِقَوْلِهِ الصِّنْفَ الثَّانِي، لِأَنَّهُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي جَوَازِ قَتْلِ الصِّنْفِ الْأَوَّل، كَمَا أَنَّهُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي قِتَالِ غَيْرِهِمْ مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَاِن وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَ: وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ مِنْ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَقَدْ حَفِظَ غَيْرُهُ فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَعًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَعْقُوب بِلَفْظٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّرِيعَةِ، حَيْثُ قَالَ فِيه: " وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ "، فَإِنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ - ﷺ - وَدُعِيَ إِلَيْهِ، فَامْتَنَعَ وَنَصَبَ الْقِتَالَ، أَنَّهُ يَجِبُ قِتَالُه، وَقَتْلُه إِذَا أَصَرَّ، قَالَ: وَإِنَّمَا عَرَضَتْ الشُّبْهَةُ لِمَا دَخَلَهُ مِنْ الِاخْتِصَارِ وَكَأَنَّ رَاوِيهِ لَمْ يَقْصِدْ سِيَاقَ الْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِه، وَإِنَّمَا أَرَادَ سِيَاقَ مُنَاظَرَةِ أَبِي بَكْر وَعُمَر، وَاعْتَمَدَ عَلَى مَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِأَصْلِ الْحَدِيث، اِنْتَهَى.
قُلْت: وَفِي هَذَا الْجَوَاب نَظَر، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ فِي الْحَدِيث " حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلَاة، وَيُؤْتُوا الزَّكَاة " مَا اسْتَشْكَلَ قِتَالَهُمْ، لِلتَّسْوِيَةِ فِي كَوْنِ غَايَةِ الْقِتَالِ تَرْكَ كُلٍّ مِنْ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة.
قَالَ عِيَاض: حَدِيثُ اِبْن عُمَر نَصٌّ فِي قِتَالِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يُزَكِّ، كَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَاحْتِجَاجُ عُمَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَجَوَابُ أَبِي بَكْرٍ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا فِي الْحَدِيثِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ
إِذْ لَوْ سَمِعَهُ عُمَرُ، لَمْ يَحْتَجَّ عَلَى أَبِي بَكْر، وَلَوْ سَمِعَهُ أَبُو بَكْر، لَرَدَّ بِهِ عَلَى عُمَر وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الِاحْتِجَاج بِعُمُومِ قَوْله " إِلَّا بِحَقِّهِ ".
قُلْت: إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَوْله " بِحَقِّهِ " لِلْإِسْلَامِ، فَمَهْمَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْإِسْلَام تَنَاوَلَهُ، وَلِذَلِكَ اِتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتَالِ مَنْ جَحَدَ الزَّكَاة. فتح (١٩/ ٣٨٢)
(٧) الْمُرَاد بِالْفَرْقِ: مَنْ أَقَرَّ بِالصَّلَاةِ، وَأَنْكَرَ الزَّكَاةَ جَاحِدًا، أَوْ مَانِعًا مَعَ الِاعْتِرَافِ وَإِنَّمَا أُطْلِقَ فِي أَوَّلِ الْقِصَّة الْكُفْرُ، لِيَشْمَل الصِّنْفَيْنِ، فَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ جَحَدَ حَقِيقَة، وَفِي حَقِّ الْآخَرِينَ مَجَازٌ تَغْلِيبًا، وَإِنَّمَا قَاتَلَهُمْ الصِّدِّيقُ وَلَمْ يَعْذُرْهُمْ بِالْجَهْلِ، لِأَنَّهُمْ نَصَبُوا الْقِتَال، فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى الرُّجُوع، فَلَمَّا أَصَرُّوا قَاتَلَهُمْ.
قَالَ الْمَازِرِيّ: ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مُوَافِقًا عَلَى قِتَالِ مَنْ جَحَدَ الصَّلَاة، فَأَلْزَمَهُ الصِّدِّيقُ بِمِثْلِهِ فِي الزَّكَاة، لِوُرُودِهِمَا فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة مَوْرِدًا وَاحِدًا. فتح الباري (ج ١٩ / ص ٣٨٢)
(٨) قوله (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يُشِيرُ إِلَى دَلِيلِ مَنْعِ التَّفْرِقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَّ حَقَّ النَّفْسِ الصَّلَاة، وَحَقَّ الْمَالِ الزَّكَاة، فَمَنْ صَلَّى عَصَمَ نَفْسَه، وَمَنْ زَكَّى عَصَمَ مَالَه، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ، قُوتِلَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاة، وَمَنْ لَمْ يُزَكِّ، أُخِذَتْ الزَّكَاةُ مِنْ مَالِهِ قَهْرًا، وَإِنْ نَصَبَ الْحَرْبَ لِذَلِكَ، قُوتِلَ، وَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ سَمِعَ فِي الْحَدِيث " وَيُقِيمُوا الصَّلَاة وَيُؤْتُوا الزَّكَاة " لَمَا احْتَاجَ إِلَى هَذَا الِاسْتِنْبَاط، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ، وَاسْتَظْهَرَ بِهَذَا الدَّلِيلِ النَّظَرِيّ. فتح الباري (١٩/ ٣٨٢)
(٩) العَناق: الأنثى من المَعْزِ إذا قَوِيَت، ما لم تَستكمل سنة.
(١٠) (خ) ٦٨٥٥، (م) ٢٠
العِقال: الحبل الذي تُربط به الإبل ونحوها.
(١١) فِي هذا الحديثِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى شَجَاعَةِ أَبِي بَكْر - رضي الله عنه - وَتَقَدُّمِهِ فِي الشَّجَاعَةِ وَالْعِلْمِ عَلَى غَيْرِه، وهُوَ أَكْبَرُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْد رَسُولِ الله - ﷺ - فَإِنَّهُ ثَبَتَ لِلْقِتَالِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ الْعَظِيم، وَاسْتَنْبَطَ - رضي الله عنه - مِنْ الْعِلْمِ بِدَقِيقِ نَظَرِهِ، وَرَصَانَةِ فِكْرِهِ مَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِي الِابْتِدَاءِ بِهِ غَيْره، فَلِهَذَا وَغَيْرِه مِمَّا أَكْرَمَهُ الله تَعَالَى بِهِ، أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَقِّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ أُمَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاء - رضي الله عنهم - فِي مَعْرِفَةِ رُجْحَانِهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مَشْهُورَة. شرح النووي (ج١ص٩٤)
(١٢) (خ) ٦٥٢٦، (م) ٢٠