تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(م حم)، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: (قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي؟، قَالَ: " فِي النَّارِ) (١) (فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إِن أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ") (٢)

الشرح (٣)

(١) (م) ٢٠٣، (د) ٤٧١٨

(٢) (حم) ١٢٢١٣، (م) ٢٠٣

(٣) قال الألباني في الصَّحِيحَة ٢٥٩٢: واعلم أيها الأخ المسلم أن بعض الناس اليوم، وقبل اليوم، لَا استعداد عندهم لقبول هذه الأحاديث الصحيحة، وتَبَنِّي ما فيها من الحكم بالكفر على وَالدَيْ الرسول - ﷺ - بل إن فيهم من يُظَنُّ أنه من الدعاة إلى الإسلام، لَيَسْتَنْكِرُ أشدَّ الاستنكارِ التعرُّضَ لذكرِ هذه الأحاديثِ ودِلالتها الصريحة!، وفي اعتقادي أن هذا الاستنكار إنما يَنْصَبُّ منهم على النبي - ﷺ - الذي قالها إن صدقوا بها، وهذا - كما هو ظاهر - كفرٌ بَواح، أو على الأقل على الأئمة الذين رووها وصحَّحوها، وهذا فِسق، أو كُفر صراح، لأنه يلزم منه تشكيك المسلمين بدينهم، لأنه لَا طريق لهم إلى معرفته والإيمان به إِلَّا من طريق نبيهم - ﷺ - كما لَا يخفى على كل مسلم بصير بدينه، فإذا لم يُصَدِّقوا بها لعدم موافقتها لعواطفهم وأذواقهم وأهوائهم - والناس في ذلك مختلفون أشد الاختلاف - كان في ذلك فتحُ بابٍ عظيمٍ جِدَّا لردِّ الأحاديث الصحيحة، وهذا أمر مُشاهدٌ اليوم من كثير من الكُتَّاب الذين ابتُلِيَ المسلمون بكتاباتهم، ممن لَا ميزانَ عندَهُم لتصحيحِ الأحاديثِ وتضعيفها إِلَّا أهواؤهم!

واعلم أيها المسلم المُشْفِق على دينه أن يُهْدَمَ بأقلام بعض المنتسبين إليه، أن هذه الأحاديث ونحوها مما فيه الإخبار بِكُفْر أشخاصٍ أو إيمانهم، إنما هو من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها، وتَلَقِّيها بالقَبول، لقوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: ١ - ٣) وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦)، فالإعراض عنها، وعدم الإيمان بها يلزم منه أحد أمرين، لَا ثالث لهما - وأحلاهما مُرٌّ -: إما تكذيبُ النبي - ﷺ - وإما تكذيبُ رُواتها الثقات كما تقدم، وأنا حينَ أكتبُ هذا، أعلم أن بعضَ الذين يُنكرون هذه الأحاديث، أو يتأولونها تأويلا باطلا - كما فعل السيوطي عفا الله عنا وعنه في بعض رسائله - إنما يحملهم على ذلك غُلُوُّهم في تعظيم النبي - ﷺ - وحبُّهم إياه، فيُنكرون أن يكون أبواه - ﷺ - كما أخبر هو نفسه عنهما، فكأنهم أَشْفَقُ عليهما منه - ﷺ -!!، وقد لَا يتورَّع بعضُهم أن يرْكَن في ذلك إلى الحديث المشهور على ألسنة بعض الناس، الذي فيه أن النبيَ - ﷺ - أحيا اللهُ له أمه، وفي رواية: أبويه " وهو حديث موضوع باطل عند أهل العلم "، كالدارقطني، وابن عساكر، والذهبي والعسقلاني، وغيرهم كما هو مبيَّن في موضعه، وراجعْ له إن شئت كتاب " الأباطيل والمناكير " للجورقاني بتعليق الدكتور عبد الرحمن الفريوائي (١/ ٢٢٢ - ٢٢٩)، وقال ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٢٨٤): " هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له عِلم، لَعَلِمَ أن من مات كافرا لَا ينفعُه أن يؤمنَ بعد الرَّجْعَة، لَا، بل لو آمن عند المعاينة.

ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ " فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ " فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ، وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة/٢١٧]

وقولُه - ﷺ - في (الصحيح): " استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي". أ. هـ

الجامع الصحيح للسنن والمسانيد · الجزء ٣ · الصفحة ٤١٣

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجامع الصحيح للسنن والمسانيدج ٣ · ص ٤١٣