الْقِيَامُ مَعَ اَلْقُدْرَة فِي صَلَاةِ الْفَرْض
قَالَ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَلَاةِ الْوُسْطَى، وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ﴾ (١)
(خ)، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رضي الله عنه - قَالَ: (كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -) (٢) (عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: " صَلِّ قَائِمًا) (٣) (فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ ") (٤)
وفي رواية (٥): " إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا (٦) فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ (٧) "
(١) [البقرة/٢٣٨]
(٢) (خ) ١٠٦٦
(٣) (خ) ١٠٦٥
(٤) (خ) ١٠٦٦، (د) ٩٥٢، (جة) ١٢٢٣، (حم) ١٩٨٣٢
(٥) (خ) ١٠٦٤، (ت) ٣٧١، (س) ١٦٦٠، (د) ٩٥١
(٦) قَالَ البخاري: (نَائِمًا) - عِنْدِي -: مُضْطَجِعًا هَهُنَا. (خ) ١٠٦٥
(٧) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كُنْت تَأَوَّلْت هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ صَلَاة التَّطَوُّع - يَعْنِي لِلْقَادِرِ - لَكِنْ قَوْله " مَنْ صَلَّى نَائِمًا " يُفْسِدهُ، لِأَنَّ الْمُضْطَجِع لَا يُصَلِّي التَّطَوُّع كَمَا يَفْعَل الْقَاعِد، لِأَنِّي لَا أَحْفَظ عَنْ أَحَد مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّهُ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ،
قَالَ: فَإِنْ صِحْت هَذِهِ اللَّفْظَة وَلَمْ يَكُنْ بَعْض الرُّوَاة أَدْرَجَهَا قِيَاسًا مِنْهُ لِلْمُضْطَجِعِ عَلَى الْقَاعِد كَمَا يَتَطَوَّع الْمُسَافِر عَلَى رَاحِلَته، فَالتَّطَوُّع لِلْقَادِرِ عَلَى الْقُعُود مُضْطَجِعًا جَائِز بِهَذَا الْحَدِيث. قَالَ: وَفِي الْقِيَاس الْمُتَقَدِّم نَظَر، لِأَنَّ الْقُعُود شَكْل مِنْ أَشْكَال الصَّلَاة بِخِلَافِ الِاضْطِجَاع،
قَالَ: وَقَدْ رَأَيْت الْآن أَنَّ الْمُرَاد بِحَدِيثِ عِمْرَان الْمَرِيض الْمُفْتَرِض الَّذِي يُمْكِنهُ أَنْ يَتَحَامَل فَيَقُوم مَعَ مَشَقَّة، فَجَعَلَ أَجْر الْقَاعِد عَلَى النِّصْف مِنْ أَجْر الْقَائِم تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْقِيَام مَعَ جَوَاز قُعُوده. اِنْتَهَى.
وَهُوَ حَمْل مُتَّجَه، وَيُؤَيِّدهُ صَنِيع الْبُخَارِيّ حَيْثُ أَدْخَلَ فِي الْبَاب حَدِيث عَائِشَة وَأَنَس وَهُمَا صَلَاة الْمُفْتَرِض قَطْعًا، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ تَكُون التَّرْجَمَة شَامِلَة لِأَحْكَامِ الْمُصَلِّي قَاعِدًا، وَيُتَلَقَّى ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي أَوْرَدَهَا فِي الْبَاب، فَمَنْ صَلَّى فَرْضًا قَاعِدًا وَكَانَ يَشُقّ عَلَيْهِ الْقِيَام أَجْزَأَهُ وَكَانَ هُوَ وَمَنْ صَلَّى قَائِمًا سَوَاء كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَنَس وَعَائِشَة، فَلَوْ تَحَامَلَ هَذَا الْمَعْذُور وَتَكَلَّفَ الْقِيَام وَلَوْ شَقَّ عَلَيْهِ كَانَ أَفْضَل لِمَزِيدِ أَجْر تَكَلُّف الْقِيَام، فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون أَجْره عَلَى ذَلِكَ نَظِير أَجْره عَلَى أَصْل الصَّلَاة، فَيَصِحّ أَنَّ أَجْر الْقَاعِد عَلَى النِّصْف مِنْ أَجْر الْقَائِم وَمَنْ صَلَّى النَّفْل قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَة عَلَى الْقِيَام أَجْزَأَهُ وَكَانَ أَجْره عَلَى النِّصْف مِنْ أَجْر الْقَائِم بِغَيْرِ إِشْكَال.
وَأَمَّا قَوْل الْبَاجِيّ إِنَّ الْحَدِيث فِي الْمُفْتَرِض وَالْمُتَنَفِّل مَعًا فَإِنْ أَرَادَ بِالْمُفْتَرِضِ مَا قَرَّرْنَاهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَقَدْ أَبَى ذَلِكَ أَكْثَر الْعُلَمَاء. وَحَكَى اِبْن التِّين وَغَيْره عَنْ أَبِي عُبَيْد وَابْن الْمَاجِشُونِ وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي وَابْن شَعْبَان وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَالدَّاوُدِيّ وَغَيْرهمْ أَنَّهُمْ حَمَلُوا حَدِيث عِمْرَان عَلَى الْمُتَنَفِّل، وَكَذَا نَقَلَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ الثَّوْرِيّ قَالَ: وَأَمَّا الْمَعْذُور إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَلَهُ مِثْل أَجْر الْقَائِم. ثُمَّ قَالَ: وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَا يَشْهَد لَهُ، يُشِير إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْجِهَاد مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ " إِذَا مَرِضَ الْعَبْد أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ صَالِح مَا كَانَ يَعْمَل وَهُوَ صَحِيح مُقِيم "، وَيُؤَيِّد ذَلِكَ قَاعِدَة تَغْلِيب فَضْل الله تَعَالَى وَقَبُول عُذْر مَنْ لَهُ عُذْر، وَالله أَعْلَم. فتح الباري (ج ٤ / ص ٨٩)
وَأَمَّا نَفْي الْخَطَّابِيّ جَوَاز التَّنَفُّل مُضْطَجِعًا فَقَدْ تَعَقَّبَ ذَلِكَ الْعِرَاقِيُّ فَقَالَ: أَمَّا نَفْيُ الْخَطَّابِيِّ وَابْنِ بَطَّالٍ لِلْخِلَافِ فِي صِحَّةِ التَّطَوُّعِ مُضْطَجِعًا لِلْقَادِرِ فَمَرْدُودٌ،
فَإِنَّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهَيْنِ الْأَصَحُّ مِنْهُمَا الصِّحَّةُ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ، أَحَدُهَا الْجَوَازُ مُطْلَقًا فِي الِاضْطِرَارِ وَالِاخْتِيَارِ لِلصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ جَوَازَهُ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ الرَّجُل صَلَّى صَلَاة التَّطَوُّع قَائِمًا وَجَالِسًا وَمُضْطَجِعًا،
فَكَيْفَ يُدَّعَى مَعَ هَذَا الْخِلَافِ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ الِاتِّفَاقُ؟.تحفة الأحوذي - (ج ١ / ص ٤٠٢)