حُكْمُ غَيْرِ المُسْلِمِين (هَلْ هُمْ طَاهِرُونَ أَمْ لَا)
أَعْيَانُ الْمُشْرِكِين
قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١)
(خ م)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: (بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ (٢) فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ) (٣) (سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ) (٤) (فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ (٥) ") (٦)
تقدم شرحه
فَوائِدُ الْحَدِيث:
فيه عدم نجاسة الكافر الجسدية، وإلا لم يربطوه في المسجد. ع
وفي هذا: دليل على جواز إدخال المشرك إلى المسجد، لكن بإذن المسلمين.
وقد أنزل النبي - ﷺ - وفد ثقيف في المسجد؛ ليكون أرق لقلوبهم.
خرجه أبو داود من رواية الحسن، عن عثمان بن أبي العاص.
وروى وكيع، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن، قال: إن وفدا قدموا على النبي - ﷺ - من ثقيف، فدخلوا عليه المسجد، فقيل له: إنهم مشركون؟ قال: «الأرض لا ينجسها شيء».
وخرجه أبو داود في «المراسيل» من رواية أشعث، عن الحسن، أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله - ﷺ - فضرب لهم قبة في مؤخرة المسجد؛ لينظروا صلاة المسلمين، إلى ركوعهم، وسجودهم، فقيل: يا رسول الله، أتنزلهم المسجد وهم مشركون؟ قال: «أن الأرض لا تنجس، إنما ينجس ابن آدم».
وكذلك سائر وفود العرب ونصارى نجران، كلهم كانوا يدخلون المسجد إلى النبي - ﷺ - ويجلسون فيه عنده.
ولما قدم مشركو قريش في فداء أسارى بدر كانوا يبيتون في المسجد.
وقد روى ذلك الشافعي بإسناد له.
وقد خرج البخاري حديث جبير بن مطعم - وكان ممن قدم في فداء الاسارى -، أنه سمع النبي - ﷺ - يقرا في المغرب بالطور. قال: وكان ذلك أول ما وقر الأيمان في قلبي.
وخرج البخاري فيما سبق في «كتاب: العلم» حديث دخول ضمام بن ثعلبة المسجد، وعقله بعيره فيه، وسؤاله النبي - ﷺ - عن الإسلام، ثم أسلم عقب ذلك. وروى أبو داود في المراسيل بإسناد عن الزهري، قال: اخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا سفيان كان يدخل المسجد بالمدينة وهو كافر، غير أن ذلك لا يصلح في المسجد الحرام؛ لما قَالَ الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨].فتح الباري لابن رجب ٤٦٩
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ الْحَيَّ طَاهِرٌ لأَنَّهُ آدَمِيٌّ، وَالآدَمِيُّ طَاهِرٌ سَوَاءٌ أَكَانَ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا (٧) لِقَوْلِ اللَّهِ سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، نَجَاسَةَ الأَبْدَانِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَجَاسَةُ مَا يَعْتَقِدُونَهُ، وَقَدْ رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ الأَسِيرَ فِي الْمَسْجِدِ.
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْكَافِرِ مَسُّ الْمُصْحَفِ لأَنَّ فِي ذَلِكَ إِهَانَةً لِلْمُصْحَفِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لا بَأسَ أَنْ يَمَسَّ الْكَافِرُ الْمُصْحَفَ إِذَا اغْتَسَلَ، لأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الْحَدَثُ وَقَدْ زَالَ بِالْغُسْلِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ نَجَاسَةُ اعْتِقَادِهِ وَذَلِكَ فِي قَلْبِهِ لا فِي يَدِهِ. (٨)
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ أَنْ يَحْمِلَ حِرْزًا مِنْ قُرْآنٍ وَلَوْ بِسَاتِرٍ لأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى امْتِهَانِهِ. (٩)
(١) [المائدة/٥]
(٢) أَيْ: بَعَثَ فُرْسَان خَيْل إِلَى جِهَة نَجْد. فتح الباري لابن حجر - (ج ١٢ / ص ١٨٩)
(٣) (خ) ٤٥٠، (م) ١٧٦٤
(٤) (خ) ٢٢٩٠، (م) ١٧٦٤
(٥) فيه عدم نجاسة الكافر الجسدية، وإلا لم يربطوه في المسجد. ع
(٦) (خ) ٤٥٠، (م) ١٧٦٤
(٧) حاشية ابن عابدين ١/ ١٤٨، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١/ ٥٠، ونهاية المحتاج ١/ ٢٢١، وكشاف القناع ١/ ١٩٣.
(٨) بدائع الصنائع ١/ ٣٧، والدر المختار وحاشية ابن عابدين ١/ ١١٩.
(٩) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١/ ١٢٦.