تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غَائِطُ وَبَوْلُ الْحَيَوَانِ غَيْرِ مَأكُولِ اللَّحْم

(خ جة خز)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: " أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ "، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً وفي رواية: (رَوْثَةَ حِمَارٍ) (١) فَأَتَيْتُهُ بِهَا، " فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ (٢) " (٣) وفي رواية: (" هِيَ رِجْسٌ ") (٤)

مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ وَرَوْثِ الْحَيَوَانِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَمْ لا، وَمِنَ الْحَيَوَانِ: الْبُدْنُ. لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ " أَنَّهُ ﷺ لَمَّا جِيءَ لَهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ لِيَسْتَنْجِيَ بِهَا، أَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَرَدَّ الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ " وَالرِّكْسُ: النَّجَسُ.

وَأَمَّا نَجَاسَةُ الْبَوْلِ فَلِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: " تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ " حَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الأَبْوَالِ.

قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بِتَغْلِيظِ نَجَاسَةِ الأَرْوَاثِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّوْثَةِ: " إِنَّهَا رِكْسٌ " أَيْ نَجَسٌ، وَلا اعْتِبَارَ عِنْدَهُ بِالْبَلْوَى فِي مَوْضِعِ النَّصِّ. (٥)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى طَهَارَةِ بَوْلِ وَرَوْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، لأَنَّهُ " ﷺ أَمَرَ الْعُرَنِيِّينَ أَنْ يَلْحَقُوا بِإِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا " وَالنَّجَسُ لا يُبَاحُ شُرْبُهُ، وَلأَنَّهُ " ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَأَمَرَ بِالصَّلاةِ فِيهَا ". (٦)

وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِنَجَاسَةِ رَوْثِ مَكْرُوهِ الأَكْلِ كَمُحَرَّمِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلِ النَّجَاسَةَ. (٧)

وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ النَّجَاسَاتِ، فَإِذَا أَصَابَ الْخُفَّ شَيْءٌ مِنْ رَوْثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ إِنْ دُلِكَ بِتُرَابٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ نَحْوِهِ حَتَّى زَالَتِ الْعَيْنُ، وَكَذَا إِنْ جَفَّتِ النَّجَاسَةُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُخْرِجُهُ الْغُسْلُ سِوَى الْحُكْمِ.

وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الْعَفْوَ بِأَنْ تَكُونَ إِصَابَةُ الْخُفِّ أَوِ النَّعْلِ بِالنَّجَاسَةِ بِمَوْضِعٍ يَطْرُقُهُ الدَّوَابُّ كَثِيرًا - كَالطُّرُقِ - لِمَشَقَّةِ الاحْتِرَازِ عَنْهُ.

قَالَ الدُّسُوقِيُّ نَقْلا عَنِ الْبُنَانِيِّ: وَهَذَا الْقَيْدُ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُهُ، وَفِي كَلامِ ابْنِ الْحَاجِبِ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ لِتَعْلِيلِهِ بِالْمَشَقَّةِ، كَمَا ذَكَرَ خَلِيلٌ أَنَّ الْعَفْوَ إِنَّمَا هُوَ لِعُسْرِ الاحْتِرَازِ، وَعَلَى هَذَا فَلا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَ الْخُفَّ وَالنَّعْلَ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ بِمَوْضِعٍ لا تَطْرُقُهُ الدَّوَابُّ كَثِيرًا وَلَوْ دَلْكًا.

وَإِنْ أَصَابَ الْخُفَّ أَوِ النَّعْلَ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ غَيْرِ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا، كَخُرْءِ الْكِلابِ أَوْ فَضْلَةِ الآدَمِيِّ أَوْ دَمٍ، فَإِنَّهُ لا يُعْفَى عَنْهُ، وَلا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ.

قَالَ الْحَطَّابُ نَقْلا عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: وَالْعِلَّةُ نُدُورُ ذَلِكَ فِي الطُّرُقَاتِ، فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ فِيهَا صَارَ كَرَوْثِ الدَّوَابِّ. (٨)

اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي بَوْلِ الْفَأرَةِ وَخُرْئِهَا، فَفِي الْخَانِيَّةِ: إِنَّ بَوْلَ الْهِرَّةِ وَالْفَأرَةِ وَخُرْءَهَا نَجِسٌ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَاتِ، يُفْسِدُ الْمَاءَ وَالثَّوْبَ، وَلَوْ طُحِنَ بَعْرُ الْفَأرَةِ مَعَ الْحِنْطَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ يُعْفَى عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ. وَقَالَ الْحَصْكَفِيُّ: بَوْلُ الْفَأرَةِ طَاهِرٌ لِتَعَذُّرِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَخُرْؤُهَا لا يُفْسِدُ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ، وَفِي الْحُجَّةِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ نَجِسٌ.

وَقَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ نَجَاسَةُ الْكُلِّ، لَكِنَّ الضَّرُورَةَ مُتَحَقَّقَةٌ فِي بَوْلِ الْهِرَّةِ فِي غَيْرِ الْمَائِعَاتِ، كَالثِّيَابِ، وَكَذَا فِي خُرْءِ الْفَأرَةِ فِي نَحْوِ الْحِنْطَةِ، دُونَ الثِّيَابِ وَالْمَائِعَاتِ، وَأَمَّا بَوْلُ الْفَأرَةِ فَالضَّرُورَةُ فِيهِ غَيْرُ مُتَحَقَّقَةٍ. (٩)

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ بَوْلَ الْحَيَوَانِ الْمَأكُولِ اللَّحْمِ نَجِسٌ وَكَذَلِكَ رَوْثُهُ، وَكَذَا ذَرْقُ الطَّيْرِ، لِمَا وَرَدَ " أَنَّهُ ﷺ لَمَّا جِيءَ لَهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ لِيَسْتَنْجِيَ بِهَا أَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَرَدَّ الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ "، وَالرِّكْسُ النَّجَسُ.

وَأَمَّا أَمْرُهُ ﷺ الْعُرَنِيِّينَ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الإِبِلِ فَكَانَ لِلتَّدَاوِي، وَالتَّدَاوِي بِالنَّجِسِ جَائِزٌ عِنْدَ فَقْدِ الطَّاهِرِ إِلا خَالِصَ الْخَمْرِ، وَلأَنَّ أَبْوَالَ مَأكُولِ اللَّحْمِ وَأَرْوَاثَهَا مِمَّا اسْتَحَالَ بِالْبَاطِنِ، وَكُلُّ مَا اسْتَحَالَ بِالْبَاطِنِ نَجِسٌ. (١٠)

(١) (خز) ٧٠، وسكت عنها الأعظمي والألباني.

(٢) قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ النسائي: الرِّكْسُ: طَعَامُ الْجِنِّ.

(٣) (خ) ١٥٥، (ت) ١٧، (س) ٤٢، (حم) ٣٩٦٦

(٤) (جة) ٣١٤، (خز) ٧٠

(٥) الحموي على الأشباه ١/ ١١٧.

(٦) ابن عابدين ١/ ٢١٣، وحاشية الدسوقي ١/ ٥١، ومغني المحتاج ١/ ٧٩، وكشاف القناع ١/ ١٩٤. وحديث: " أن النبي ﷺ كان يصلي في مرابض الغنم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١/ ٤١ - ط السلفية).

(٧) الشرح الصغير ١/ ٥٣ - ٥٤

(٨) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١/ ٧٥. مواهب الجليل ١/ ١٥٤.

(٩) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٩، وحاشية ابن عابدين ١/ ٢١٢.

(١٠) بدائع الصنائع ١/ ٨٠، ٨١، والفتاوى الخانية بهامش الفتاوى الهندية ١/ ١٩، والفتاوى الهندية ١/ ٤٦ - ٤٨، والاختيار شرح المختار ١/ ٣٠ - ٣٣ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٦، ومراقي الفلاح ص ٣٠، وجواهر الإكليل ١/ ٩، وحاشية الدسوقي ١/ ٥١، والشرح الصغير ١/ ٤٧، وحاشية الجمل على المنهج ١/ ١٧٤، والمجموع ٢/ ٥٥٠، والمغني ١/ ٧٣١ - ٨٣٢، ومطالب أولي النهى ١/ ٢٣٤، ومغني المحتاج ١/ ٧٩.

الجامع الصحيح للسنن والمسانيد · الجزء ٢٢ · الصفحة ٤٢٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجامع الصحيح للسنن والمسانيدج ٢٢ · ص ٤٢٤