تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(خ م س)، وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ (١) إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ثَائِرَ الرَّاسِ (٢) يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ (٣) وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا) (٤) (مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) (٥) (فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ (٦) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: " خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (٧) فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟، قَالَ: " لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ (٨) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: " وَصِيَامُ رَمَضَانَ "، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟، قَالَ: " لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ " وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الزَّكَاةَ "، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟، قَالَ: " لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ ") (٩) وفي رواية: (قَالَ: فَأَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ، " فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ (١٠) ") (١١) (قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ (١٢» (١٣) (فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:) (١٤) (" أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ (١٥) ") (١٦)

وفي رواية: (" لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ ") (١٧)

وفي رواية: " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا " (١٨)

(١) النَّجْدُ فِي الْأَصْل: مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْض، ضِدُّ الْتِّهَامة، سُمِّيَتْ بِهِ الْأَرْضُ الْوَاقِعَة بَيْنَ مَكَّةَ والْعِرَاق. عون المعبود - (ج ١ / ص ٤٣٧)

(٢) الْمُرَادُ أَنَّ شَعْرَهُ مُتَفَرِّقٌ مِنْ تَرْكِ الرَّفَاهِيَة. (فتح - ح٤٦)

(٣) الدَّوِيّ: صَوْتٌ مُرْتَفِعٌ مُتَكَرِّرٌ، وَلَا يُفْهَم، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَادَى مِنْ بُعْد. (فتح - ح٤٦)

(٤) (خ) ٤٦، (م) ١١

(٥) (م) ١١

(٦) أَيْ: عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَام، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِسْلَام، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ لَهُ الشَّهَادَةَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَعْلَمهَا، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْأَلُ عَنْ الشَّرَائِعِ الْفِعْلِيَّة، أَوْ ذَكَرَهَا وَلَمْ يَنْقُلهَا الرَّاوِي لِشُهْرَتِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْحَجَّ لِأَنَّ الرَّاوِي اِخْتَصَرَهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا القولَ مَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الصِّيَامِ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: " فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - بِشَرَائِعِ الْإِسْلَام "، فَدَخَلَ فِيهِ بَاقِي الْمَفْرُوضَات، بَلْ وَالْمَنْدُوبَات. (فتح - ح٤٦) قال النووي (١/ ٧٣): وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْحَجّ، وَلَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَة، وَكَذَا غَيْرُ هَذَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، لَمْ يُذْكَرْ فِي بَعْضِهَا الصَّوْمُ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي بَعْضِهَا الزَّكَاةُ، وَذُكِرَ فِي بَعْضِهَا صِلَةُ الرَّحِمِ، وَفِي بَعْضِهَا أَدَاءُ الْخُمُسِ، وَلَمْ يَقَعْ فِي بَعْضِهَا ذِكْرُ الْإِيمَان، فَتَفَاوَتَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي عَدَد خِصَالِ الْإِيمَانِ زِيَادَةً وَنَقْصًا، وَإِثْبَاتًا وَحَذْفًا.

وَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْهَا فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافٍ صَادِرٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَلْ هُوَ مِنْ تَفَاوُتِ الرُّوَاةِ فِي الْحِفْظِ وَالضَّبْطِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَصَّرَ فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا حَفِظَهُ فَأَدَّاهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا زَادَهُ غَيْرُهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَإِنْ كَانَ اِقْتِصَارُهُ عَلَى ذَلِكَ يُشْعِر بِأَنَّهُ الْكُلُّ، فَقَدْ بَانَ بِمَا أَتَى بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الثِّقَاتِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْكُلِّ، وَأَنَّ اِقْتِصَارَهُ عَلَيْهِ كَانَ لِقُصُورِ حِفْظِهِ عَنْ تَمَامِهِ.

(٧) قَوْله: (خَمْس صَلَوَات) يُسْتَفَاد مِنْه أَنَّهُ لَا يَجِب شَيْء مِنْ الصَّلَوَات فِي كُلّ يَوْم وَلَيْلَة غَيْر الْخَمْس، خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ الْوِتْر، أَوْ رَكْعَتَيْ الْفَجْر، أَوْ صَلَاة الضُّحَى، أَوْ صَلَاة الْعِيد، أَوْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْد الْمَغْرِب. (فتح - ح٤٦)

(٨) كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ إِلَّا إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَطَّوَّعَ، فَذَلِكَ لَك. (فتح - ح٤٦)

(٩) (خ) ١٣٣٣، (م) ١٤

(١٠) تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ فِي الْقِصَّة أَشْيَاء أُجْمِلَتْ، مِنْهَا بَيَان نُصُبِ الزَّكَاة، فَإِنَّهَا لَمْ تُفَسَّر فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَا أَسْمَاءُ الصَّلَوَات، وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِيهِ شُهْرَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، أَوْ الْقَصْدُ مِنْ الْقِصَّةِ بَيَانُ أَنَّ الْمُتَمَسِّكَ بِالْفَرَائِضِ نَاجٍ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلَ النَّوَافِل. (فتح - ح٤٦)

(١١) (خ) ٦٥٥٦، (س) ٢٠٩٠

(١٢) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي النَّافِلَةَ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ الْفَرَائِض، وَهَذَا مُفْلِحٌ بِلَا شَكٍّ، وَإِنْ كَانَتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ مَذْمُومَة، وَتُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاصٍ، بَلْ هُوَ مُفْلِحٌ نَاجٍ. وَالله أَعْلَمُ. شرح النووي (١/ ٧٣)

(١٣) (خ) ٤٦، (م) ١١

(١٤) (خ) ١٣٣٣، (م) ١٤

(١٥) وَقَعَ عِنْد (م) ١١، (د) ٣٩٢: " أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ " أَوْ " دَخَلَ الْجَنَّة وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ "، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْجَامِعُ بَيْن هَذَا وَبَيْن النَّهْيِ عَنْ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ؟، أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ، أَوْ بِأَنَّهَا كَلِمَةٌ جَارِيَةٌ عَلَى اللِّسَان، لَا يُقْصَدُ بِهَا الْحَلِف، كَمَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِمْ (عَقْرَى، حَلْقَى) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ فِيهِ إِضْمَارُ اِسْمِ الرَّبِّ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَرَبِّ أَبِيهِ.

وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ، وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَأَقْوَى الْأَجْوِبَةِ الْأَوَّلَانِ.

وَقال اِبْنُ بَطَّال: دَلَّ قَوْلُه " أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ " عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصْدُقْ فِيمَا اِلْتَزَمَ لَا يُفْلِحْ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُرْجِئَة.

فَإِنْ قِيلَ: كَيْف أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ بِمُجَرَّدِ مَا ذَكَرَ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر الْمَنْهِيَّات؟، أَجَابَ اِبْنُ بَطَّالٍ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ وُرُودِ فَرَائِضِ النَّهْي.

وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ، لِأَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّ السَّائِلَ ضِمَام، وَأَقْدَمُ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ وَفَدَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَقِيلَ: بَعْد ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ الْمَنْهِيَّاتِ وَاقِعًا قَبْل ذَلِكَ.

وَالصَّوَاب أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ " فَأَخْبَرَهُ بِشَرَائِع الْإِسْلَام " كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ

فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا فَلَاحُهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ فَوَاضِح، وَأَمَّا بِأَنْ لَا يَزِيدَ، فَكَيْفَ يَصِحّ؟ أَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا أَتَى بِزَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ لَا يَكُون مُفْلِحًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَفْلَحَ بِالْوَاجِبِ، فَفَلَاحه بِالْمَنْدُوبِ مَعَ الْوَاجِب أَوْلَى

فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْف أَقَرَّهُ عَلَى حَلِفِهِ وَقَدْ وَرَدَ النَّكِيرُ عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى الْأَصْلِ بِأَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى غَيْرِ تَارِكِ الْفَرَائِض، فَهُوَ مُفْلِحٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ فَلَاحًا مِنْهُ. وَقَالَ الطِّيبِيّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ صَدَرَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّصْدِيقِ وَالْقَبُول، أَيْ: قَبِلْتُ كَلَامَكَ قَبُولًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَة السُّؤَال، وَلَا نُقْصَانَ فِيهِ مِنْ طَرِيق الْقَبُول.

وَقَالَ اِبْن الْمُنِير: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ تَتَعَلَّقُ بِالْإِبْلَاغِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَافِد قَوْمِهِ لِيَتَعَلَّمَ وَيُعَلِّمهُمْ.

قُلْت: وَالِاحْتِمَالَانِ مَرْدُودَانِ بِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر، فَإِنَّ نَصَّهَا " لَا أَتَطَوَّع شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيْئًا ".

وَقِيلَ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ "، أَيْ: لَا أُغَيِّرُ صِفَةَ الْفَرْضِ، كَمَنْ يَنْقُصُ الظُّهْرَ مَثَلًا رَكْعَةً، أَوْ يَزِيدُ الْمَغْرِبَ.

قُلْت: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَيْضًا لَفْظُ التَّطَوُّعِ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر. (فتح- ح٤٦)

(١٦) (خ) ٤٦، (م) ١١

(١٧) (س) ٤٥٩، (خ) ١٨٩١

(١٨) (خ) ١٣٣٣، (م) ١٤

الجامع الصحيح للسنن والمسانيد · الجزء ١ · الصفحة ٣٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجامع الصحيح للسنن والمسانيدج ١ · ص ٣٢