ولو أننا خولنا سلطة التشريع لرجال المجتمع ، فهم أكثر جهالة وحمقا ؛ لأن المجتمع-أي مجتمع- إذا نظرنا إليه ككل ، لا يتمتع بالعلم والعقل والتجربة ، وهي أمور لابد منها عند التشريع. فهذا العمل يتطلب مهارة فائقة وعلما وخبرة ، وهو ما لا تستطيع العامة من الجماهير الحصول عليه ؛ كما أنها وإن أرادت لن تجد الوقت الكافي لدراسة المشكلات القانونية وفهمها.
ولخروج من هذه المشكلة توصل رجال القانون إلي حل وسط ، وهو أن يقوم (البالغون) من أفراد المجتمع بانتخاب ممثلين لهم وهؤلاء بدورهم يصدرون التشريعات باسم الشعب.
ومن الممكن أن ندرك حماقة هذا الحل الوسط ، حين نج
د أن حزبا سياسيا لا يتمتع إلا بأغلبية 51% من مقاعد البرلمان يحكم علي حزب الأقلية الذي يمثل 49% من أفراد المجتمع البالغين. والأمر لا يقف عند هذا الحد ، بل إن هذا الحل يحتوي علي فراغ كبير جدا تنفذ منه (أقلية) لتحكم علي أغلبية السكان. وعلي سبيل المثال ، فإن الحكومة التي تحكم الهند الآن قد وصلت إلي مقاليد الحكم عن طريق الانتخابات العامة الخمسية الثالثة التي أجريت في البلاد عام1962. وقد فاز حزب (المؤتمر القومي) بنسبة70% من مقاعد البرلمان في حين أن نواب هذا الحزب لم يحصلوا إلا علي 40% من أصوات الشعب في الانتخابات. وهذا هو ما حدث في الانتخابات الخمسية الأولي والثانية التي أجريت قبل سنة1962(198)، وحصل حزب المؤتمر في كلتيهما علي أقل من 50% من مجموع الأصوات! ولكنه رغم ذلك كان له الحق في تشكيل الحكومة ، لأن أصوات الناخبين الأخرى كانت موزعة بين نواب الأحزاب (المعارضة) . ولم تكن بطولة حزب المؤتمر إلا في أنه أحرز أصواتا أكثر من أي حزب آخر (علي حدة)!
ولا أستثني من هذه القاعدة إلا الانتخابات المزعومة التي تجري في الدول الشيوعية ، فيفوز زعماؤها بأرقام خيالية للأصوات!
وهكذا نقف مرة أخري أمام ظاهرة البحث عن أساس القانون ومصدره.