(لقد استخرج أصحاب نظرية (القانون الطبيعي) القديمة أسسهم من الحقائق الإلهامية في الدين. ولكن إذا ما أردنا نحن أن نأتي بتشريع علماني ، فأين سنجد أساس القيم المتفق عليها(195)؟)
وهذه التجربة المريرة تدعو الإنسان للعودة إلي الجهة التي انحرف عنها منذ قرون. فقد كان الدين يسهم إسهاما فعالا في وضع دساتير الزمن القديم. . ويري خبير القانون المعروف السير هنري مين : أنه (لا يوجد مثال واحد في القوانين التي تم تسجيلها كتابة من قانون الصين إلي بيرو ، إلا وكان ذا علاقة بالطقوس الدينية والعبادات منذ بداية أمره(196)).
* * *
لقد آن الأوان أن نعترف بالحقيقة القائلة: بأن البشر لا يستطيعون وضع دستور لهم بدون هدي الله. وبدلا من المضي في الجهود التي لا تأتي بنتائج مثمرة علينا أن نعترف بالواقع الذي يدعونا إليه (الدكتور فرويدمان) حين يقول:
(يتضح بعد دراسة هذه الجهود المختلفة أنه لابد من هداية الدين لتقييم المعيار الحقيقي للعدل. والأساس الذي يحمله الدين لإعطاء العدل صورة ينفرد هو به في حقيته وبساطته (197)).
إننا نجد في الدين جميع الأسس اللازمة التي يبحث عنها المشرعون لصياغة دستور مثالي ، ولكي يتضح صدق ما نقوله ، نأتي بالدراسة الوجيزة التالية في أهم مشكلات التشريع الإنساني:
أولا - مصدر التشريع:
وأول الأسئلة وأهمها بالنسبة لأي تشريع هو البحث عن مصدر هذا التشريع: من الذي يضعه ! ومن ذا يعتمده حني يصبح نافذ المفعول؟
لم يصل خبراء التشريع إلي إجابة عن هذا السؤال حني الآن. ولو أننا خولنا هذا الامتياز للحاكم ، لمجرد كونه حاكما ، فليس هناك أساس نظري وعلمي يجيز تمتعه-هو أو شركاؤه في الحكم- بذلك الامتياز، ثم إن هذا التحويل من ناحية أخري لا يجدي نفعا ؛ فإن إطلاق أيدي الحكام ليصدروا أي شئ لتنفيذه بوسيلة القوة-أمر لا تطيقه ولا تحتمله الجماهير.