وقد أصبح التشريع بناء علي هذا التعريف (مرسوما لصاحب السيادة(189)! ولذلك شن المحدثون من العلماء حملة شديدة علي هذه الفكرة ، وقالوا: إنه لا يمكن منع انحرافات الحكام إلا إذا كان (رضا الشعب العام) دعامة أساسية في التشريع. . وأنكروا أي قانون أو دستور لا يحرز رضا الجماهير ؛ وترتب علي ذلك أن ضوابط كثيرة يجمع علي صحتها وأفادتها جميع أهل العلم ومعلمي الأخلاق-لا يمكن تنفيذها ، لأن الشعب لا يوافق عليها. وعلي سبيل المثال لم يتمكن الأمريكيون من إدخال مشروع قرار يحرم الخمر ، لأن الشعب لم يرض عنه. . كما اضطر البريطانيون إلي إدخال تعديلات هامة في قانون عقوبة القتل ، واضطروا إلي إباحة أنواع محرمة من العلاقات الجنسية ، علي الرغم من ضجيج المثقفين ، واحتجاج علماء القانون !
* * *
وهناك مسألة أخري اختلف حولها علماء القانون: هل القانون قابل للتغير أو لا؟
لقد لقيت نظرة (القانون الطبيعي) رواجا كبيرا في العصور الوسطي ، وفي العصور التي تلتها ، ومؤداها أن الطبيعة البشرية هي المصدر الحقيقي للتشريع:
(فالطبيعة تطالب أن يكون حق السيطرة والحكومة لمطالبها الطبيعية ودعائمها الرائدة. وقد أعطت الطبيعة هذه الدعائم للإنسان في صورة (العقل) ، ولذلك لابد من إقامة حكومة بقوة العقل(190)).
وقد أعطت هذه النظرية أساسا كونيا للمشرعين ، فقيل :إنه لابد من دستور موحد صالح لكل العصور. وهذه هي نظرية علماء القرنين السابع والثامن عشر حول القانون. ثم جاءت مدرسة أخري ادعت استحالة معرفة الأسس الكونية للدستور. ويقول (كوهلير) في هذا:
(ليس هناك دستور أبدي وأي تشريع يصلح لعصر ما ليس-بالضرورة- صالحا لعصر آخر. وليس لنا إلا أن نجهد أنفسنا في البحث عن دستور يلائم كل حضارة علي حدة. فقد يكون دستور ما خيرا لطائفة من الناس ، ثم يسب هلاك طائفة أخري(191)).