تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3 - موسى بن دينار عن مجاهد قال: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً أسود الشعر قد رآه بالأمس أبيض الشعر، قال: من أنت؟ قال: أنا فلان. قال: بل أنت شيطان) ([125]). وموسى بن دينار متهم بالكذب ([126]). فالحديث متروك.

4 - وروى العَرْزَمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «من غيَّر البياض سوادًا، لم ينظر الله إليه يوم القيامة». والعَرْزَمي قال عنه الحافظ: (متروك) ([127]).

فهذا كل ما ورد في هذا الباب من أحاديث النهي عن السواد، كلها بين منكر أو متروك، وأحسنها حالاً حديث أبي قحافة مع ضعفه.

وقد قال الشيخ الألباني: (الحديث [حديث أبي قحافة] حجة على الزهري وغيره. . لا سيما وهناك حديثان آخران هما أدل على العموم من هذا؛ الأول: عن ابن عباس .. والثاني: عن أبي الدرداء مرفوعًا: «من خضب السواد سود الله وجهه يوم القيامة» ([128]). وقد ذكر أن حديث أبي الدرداء ضعيف، بل قال أبو حاتم كما في "العلل": (حديث موضوع) ([129]). فلم يبق إلا حديث ابن عباس، وقد ثبت أنه حديث منكر، فلا يمكن الاحتجاج به، ولا يقوى على تخصيص عموم الأحاديث الصحيحة التي جاء فيها الأمر بالتغيير والصبغ مطلقًا.

وقد تأول بعض العلماء حديث ابن عباس بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد، بل فيه الإخبار عن قوم هذه صفتهم، وحملوا حديث جابر في قصة أبي قحافة على من صار شيبه مستبشعًا كشيب أبي قحافة ([130]).

والصحيح أن التأويل فرع التصحيح، والحديثان كلاهما غير صحيح؛ أما حديث ابن عباس فمنكر أصلاً، وأما حديث جابر فصحيح دون هذه الزيادة، ولا تكاد هذه الزيادة تثبت من وجه صحيح تقوم به الحجة.

نعم، جاء عن أبي هريرة موقوفًا عليه - وقد سئل عن الخضاب بالوسمة - "لا يجد المختضب بها ريح الجنة" ([131]). إلا أن إسناده ضعيف؛ إذ هو من رواية موسى بن نجدة، وهو مجهول كما قال الحافظ في التقريب ([132]).

كما كره بعض التابعين الخضاب بالسواد، وهو ثابت عن عطاء بن أبي رباح، فقد سئل عن الخضاب بالوسمة. فقال: (هو مما أحدث الناس، قد رأيت نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيت أحدًا منهم يختضب بالسواد) ([133]). إلا أن من علم حجة على من لم يعلم، فقد ثبت عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يخضبون بالسواد ([134]). وترك بعض الصحابة الخضاب بالسواد لا يصلح دليلاً على حرمته أو كراهته، بخلاف اختضاب من اختضب بالسواد منهم، فإنه دليل ظاهر على جوازه عندهم، إن لم يكن مستحبًا؛ لدخوله في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «غيروا الشيب»، و «اصبغوا»، كما كره الخضاب بالسواد من التابعين: مجاهد ([135]). إلا أنه علل كراهيته له بما يدل على أنه ليس عنده فيه شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «أول من خضب به فرعون»، وهذا يشبه أن يكون مأخوذًا من جهة أهل الكتاب. وجاء عن مكحول أنه كره الخضاب بالوسمة، وقال: (خضب أبو بكر بالحناء والكتم) ([136]). فلو كان عنده حديث مرفوع لما عدل عنه واحتج بفعل أبي بكر، وأنه كان يخضب بالحناء لا بالوسمة.

وقد سئل فرقد السبخي عن الصباغ بالسواد، فقال: (بلغنا أنه يشتعل في رأسه ولحيته نار، يعني يوم القيامة) ([137]).

وفرقد قال عنه الحافظ: (صدوق ليّن الحديث كثير الخطأ) ([138])، ولم يرفع الحديث، وقد أرسله بلاغًا.

فثبت بذلك:

1 - أن الأحاديث المرفوعة التي فيها الأمر بتغيير الشيب بالصبغ مطلقًا دون استثناء شيء من الأصباغ - أصح بلا خلاف؛ إذ بعضها في الصحيحين كحديث أبي هريرة المحفوظ عنه والمتفق على صحته، بخلاف أحاديث الاستثناء إذ هي بين منكر أو معلول.

2 - أن الآثار الموقوفة على الصحابة التي تدل على جواز الصبغ بالسواد، قد جاءت عن ستة من الصحابة، وأسانيدها بين صحيح وحسن لذاته أو لغيره. بينما لم يرو عن أحد منهم النهي عن ذلك إلا عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف.

الإسعاد في نقد أحاديث الخضاب بالسواد · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإسعاد في نقد أحاديث الخضاب بالسوادص ١٠