تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورواه معمر عن الزهري قال: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأصباغ». فأحلكها أحب إلينا، يعني أسودها ([103]). والزهري هو راوي حديث أبي هريرة: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» ([104]). وكان الزهري يصبغ بالسواد ([105]).

فقد حمل الزهري الأمر بالصبغ على عمومه، ولم يستثن السواد من الأصباغ، بل كان يستحبه ويقدمه عليها، وهذا يرجح عدم صحة الاستثناء الوارد في حديث أبي هريرة - كما في رواية ابن أبي رواد المنكرة - وكذا عدم ثبوت هذا الاستثناء عن النبي صلى الله عليه وسلم في نظر الزهري، وإلا لما خالفه.

وقد أخذ بهذا العموم جماعة من الصحابة، منهم:

سعد بن أبي وقاص ([106])، وعقبة بن عامر ([107])، وجرير بن عبدالله ([108])، وعمرو بن العاص ([109])، والحسين بن علي، والحسن بن علي ([110]).

ولهذا قال مالك عن صبغ الشعر بالسواد: "لم أسمع في ذلك شيئًا معلومًا، وغير ذلك من الصبغ أحب إليَّ، وترك الصبغ كله واسع إن شاءالله، ليس على الناس فيه ضيق" ([111]). وهذا القول هو أعدل الأقوال وأرجحها.

وأصح الأحاديث في هذا الباب هو حديث الزهري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم» ([112]). ورواه عن أبي سلمة بن عبدالرحمن أيضًا:

1 - ابنه عمر بن أبي سلمة: عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود» ([113]).

2 - محمد بن عمرو بن علقمة: عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة مرفوعًا: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود والنصارى» ([114]).

كما تابع أبا سلمة بن عبدالرحمن على روايته عن أبي هريرة: سليمان بن يسار؛ رواه عنه الزهري ([115]).

فهذا الحديث محفوظ عن أبي هريرة، وله شواهد في تغيير الشيب مطلقًا بلا استثناء؛ كحديث عائشة مرفوعًا: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود» ([116]). وكان أبو سلمة بن عبدالرحمن - راوي الحديث عن أبي هريرة - يصبغ بالسواد. وكذا الزهري وهو راويه عن أبي سلمة، وكذا نافع بن جبير المدني ([117]). وهؤلاء هم علماء المدينة، فلو كان الاستثناء ثابتًا عندهم عن أبي هريرة أو جابر أو أسماء - وكلهم من أهل المدينة - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - لما فاتهم، ولما خالفوه. وقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (تمسك به [أي حديث الأمر بتغيير الشيب مطلقًا] من أجاز الخضاب بالسواد، وقد تقدمت مسألة استثناء الخضاب بالسواد لحديثي جابر وابن عباس) ([118]). وقد ثبت عدم صحة حديث ابن عباس وأنه حديث منكر، كما ثبت عدم صحة الزيادة الواردة في حديث جابر في صحيح مسلم، وأن الصحيح عنه بدونها، فلم يبق ما يمكن الاحتجاج به، اللهم إلا بعض الأحاديث المرسلة والمعضلة كحديث:

1 - عمرو بن شعيب، أن عمرو بن العاص حدّث؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى عن خضاب السواد» ([119]).

وإسناده ضعيف، فإنه من رواية المثنى بن الصبَّاح، وهو ضعيف اختلط بأخرة، كما قال عنه الحافظ ابن حجر ([120]).

كما أنه منقطع بل معضل؛ إذ عمرو بن شعيب لم يسمع من جد جده عمروبن العاص، وإنما يروي عن أبيه عن جده عن عبدالله بن عمرو بن العاص. وقد قال أبو زرعة الرازي: (عامة المناكير التي تروى عنه إنما هي عن المثنى بن الصبَّاح، وابن لَهِيعة، والضعفاء. . .) ([121]).

فهذا الحديث من مناكير ابن الصبَّاح عنه، فلا يفرح به.

2 - المحاربي، عن ليث بن أبي سُليم، عن عامر الشعبي مرفوعًا: «إن الله لا ينظر إلى من يخضب بالسواد» ([122]). وعبدالرحمن المحاربي، قال عنه الحافظ: (لا بأس به وكان يدلس) ([123]). وقد رواه بالعنعنة. وليث اختلط جدًا فترك حديثه ([124]). فاجتمع في هذا الحديث عنعنة المحاربي وهو مدلس، وإرسال الشعبي، وضعف شديد في ليث.

الإسعاد في نقد أحاديث الخضاب بالسواد · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإسعاد في نقد أحاديث الخضاب بالسوادص ٩