تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3 - أن الآثار المقطوعة عن التابعين - مع عدم حجيتها - أكثرها على جواز الصبغ بالسواد، وعليه كبار علماء المدينة وحفاظ السنة كأبي سلمة بن عبدالرحمن، والزهري، ونافع بن جبير، وموسى بن طلحة ([139])، وعروة بن الزبير ([140])، وعمر بن أبي سلمة قاضي المدينة ([141])، حتى قال مالك - إمام دار الهجرة -: (لم أسمع في ذلك شيئًا معلومًا). وكان أبو قلابة يخضب بالوسمة، وكذلك قال إمام التابعين في البصرة محمد بن سيرين: (لا أعلم به بأسًا). وكان الحسن البصري لا يرى بالخضاب بالسواد بأسًا. وهو مذهب إمام التابعين في الكوفة إبراهيم النخعي، فقد قال: (لا بأس بالوسمة) ([142]). وإنما كرهه من التابعين مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومكحول.

وقد نقل ابن جرير الطبري إجماع السلف على أن تغيير الشيب ليس واجبًا بل هو مستحب عند من قال به، كما أن صبغ الشعر والشيب - بما في ذلك الصبغ بالسواد - ليس محرمًا عند من كرهه: (لإجماع سلف الأمة وخلفها على أن النهي عن ذلك لو كان على وجه التحريم، أو لو كان الأمر - فيما أمر به من ذلك - على وجه الإيجاب، لكان تاركو التغيير قد أنكروا على المغيِّرين، أو كان المغيِّرون قد أنكروا على تاركي التغيير، ولكن الأمر كان في ذلك كالذي وصفت، فلذلك ترك بعضهم النكير على بعض) ([143]). وكذلك قال ابن الجوزي، فقد قال: (اعلم أنه خضب جماعة من الصحابة بالسواد، وخلق كثير من التابعين، وإنما كرهه قوم لما فيه من التدليس، فأما أن يرتقي إلى التحريم - إذ لم يدلس - فيجب فيه هذا الوعيد، فلم يقل بذلك أحد) ([144]).

واختاره ابن القيم حيث قال: (الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس؛ كخضاب شعر الجارية، والمرأة الكبيرة تغر الزوج، والشيخ يغر المرأة بذلك، فإنه من الغش والخداع، فأما إذا لم يتضمن تدليسًا ولا خداعًا فقد صح عن الحسن والحسين -رضي الله عنهما - أنهما كانا يخضبان بالسواد. ذكر ذلك ابن جرير عنهما في كتاب (تهذيب الآثار)، وذكره عن عثمان بن عفان، وعبدالله بن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبدالله، وعمرو بن العاص، وحكاه عن جماعة من التابعين منهم: عمرو بن عثمان، وعلي بن عبدالله بن عباس، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، وعبدالرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري، وأيوب، وإسماعيلبن معد كرب. . .) ([145]).يوب

· وكل ما سبق ذكره من الأحاديث والآثار إنما هي في الرجال، ولم يأت شيء منها في شأن النساء، إلا ما جاء عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سُئلت عن تسويد المرأة شعرها، فقالت: (وددت أن عندي شيئًا أسوِّد به شعري) ([146]).

وكذا جاء عن قتادة قال: (رُخِّص في صباغ الشعر بالسواد للنساء) ([147]).

وهذا الأثر الصحيح، وإن كان مقطوعًا موقوفًا على قتادة من قوله لم يرفعه، إلا أنه يحتمل أن يكون له حكم الرفع، فإن لفظ (رُخِّص) مبني للمجهول، وفعل لما لم يسم فاعله، فيحتمل أنَّ من رخص بذلك هم الصحابة، أو النبي صلى الله عليه وسلم، ويرجح الثاني كون الرخصة حكمًا شرعيًا، وهذا مثل قول: (أُمر بكذا)، و (نُهي عن كذا)، إذا صدر عن التابعي، فقد قيل: هو مرسل مرفوع.

وقيل: بل موقوف على الصحابة ([148]).

وعلى كلٍّ، فأثر عائشة، وهذا الأثر عن قتادة، كافيان في إثبات جواز الصبغ بالسواد للنساء، إذ لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم - أصلاً - ولا أصحابه ما يخالف ما جاء عن عائشة وقتادة في شأن النساء. وإذا ثبت عدم صحة أحاديث النهي عن السواد في حق الرجال، ورجحان أحاديث إباحة الصبغ مطلقًا عليها، فالنساء من باب أولى؛ إذ دخولهن في الحكم - عند من يقول بكراهة الصبغ بالسواد للرجال والنساء على حد سواء - إنما هو بالتبع لا أصالة، إذ المخاطب في الأحاديث هم الرجال. ولهذا فرق بعض من قالوا بالكراهة بين الرجال والنساء، فأجازوا لهن الصبغ بالسواد دون الرجال ([149]). والله أعلم.

الإسعاد في نقد أحاديث الخضاب بالسواد · الصفحة ١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإسعاد في نقد أحاديث الخضاب بالسوادص ١١