وإليك بيان هذه المواثيق:
الميثاق الأول: أنهم عباد الله الإله الحق، الذي لا خالق غيره، ولا رب ولا معبود بحق سواه، وقد رضوا به ربًّا وتعبدوا له بما شرع تقرُّبًا وحبًّا، وقد خاطبهم بقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:92].
فمن طاعته وتحقيق عبادته بما يرضيه التحاب والتواد فيه، وترك التقاطع والتشاجر والتهاجر الذي يغضبه ويؤذيه.
الميثاق الثاني: وهم ـ أيضًا ـ أمة القرآن الذي أرسى قاعدة الأخوة الإيمانية بين المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:10].
ويثني عليهم بما هم عليه من التذلل لبعضهم، والتراحم فيما بينهم، فهم أحبة متراحمون فيما بينهم، أعزة أشداء على أعدائهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:54]، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:29]، فمتى ما نقص التذلل والتراحم فيما بينهم دلّ على نقص دينهم، وتركهم العمل ببعض كتاب ربهم.
الميثاق الثالث: وهم كذلك أمة الإسلام الذي شرعه الله لهم، فأكمله، وأتم به النعمة عليهم، ورضيه لهم دينًا، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:85]، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم.
ومن كمال الإيمان والتلذذ بحلاوته أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، فإذا نقص حبه لأخيه في الدين ـ من غير مسوغ شرعي ـ دلّ ذلك على نقص إيمانه؛ لتقصيره في حق إخوانه.