تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الناقض الثاني؛ من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم الشفاعة

الناقض الثاني؛ (من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، كفر إجماعاً).

* * *

وهذا الناقض هو الذي وقع فيه مشركو قريش، حيث جعلوا مع الله وسائط تقربهم إلى الله زلفى، مع إيمانهم بربوبية الله، قال تعالى حاكياً عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.

والشرك في الربوبية باعتبار خالقين متماثلين في الأفعال والصفات؛ ممتنع.

وما ذهب إليه بعض المشركين إلى أن معبوداتهم تملك بعض التصرف في الكون، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم، وتلاعب بعقولهم كل قوم بحسب عقلهم، فطائفة أشركوا بتعظيمهم للموتى وأهل القبور، وطائفة بالنجوم والكواكب، وطائفة صوروا الأصنام على هيئة معبوديهم التي استقرت في نفوسهم، كالصالحين، والكواكب وغيرها، وسوّل لهم الشيطان أنها وسائط وشفعاء يشفعون لهم عند الله في قضاء حوائجهم وكشف الملمات وتفريج الكربات.

وهذا الناقض وقع فيه كثير ممن ينتسب للإسلام في هذا العصر، جعلوا بينهم وبين الله وسائط، وهو الشرك الذي وقع فيه كفار قريش، إلاَّ أن هؤلاءِ زعموا تصديقهم واتباعهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم أبعد عن هدي الرسل، وقد أنكر نبي هذه الأمة هذا الشرك على كفار قريش وبين أنهم يعبدون من دون الله آلهة أخرى، لا تملك لهم ضراً ولا نفعاً وسماهم كفاراً ومشركين.

قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الارْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.

مع إقرارهم بأن الله هو الخالق، ولا يقدر على الخلق والرزق والإحياء والإماته إلا الله، ومع هذا لم يصيروا مسلمين موحدين بل كانوا مشركين.

وتبع المشركين على هذا كثير ممن يتسمى بالإسلام، فعظّموا الأضرحة والمزارات وتقربوا إليها بالذبح والنذر وسألوها قضاء الحوائج، وجعلوها وسائط من دون الله كما فعل كفار قريش، وهو إشراك بالله تعالى.

وكان سبب ذلك تشبيههم للخالق بالمخلوق.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "المجموع" [1/ 126]: (وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس، لقربهم منهم والناس يسألونهم، أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق وجعلوا لله أنداداً) انتهى.

وتعلَّق المشركون الذين جعلوا بينهم وبين الله وسائط بالشفاعة التي يرجونها من وسطائهم قال تعالى مبيناً حجتهم في شركهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقال: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.

الإعلام بتوضيح نواقض الإسلام · الصفحة ١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإعلام بتوضيح نواقض الإسلامص ١١