تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما إذا أخذ التأمين على أنه خطة تعاونية تضامنية، تعزز قيم الخير والمعروف والإحسان، وتعمّق روابط الأخوة والمحبة والألفة، وتصحح ما شوهته الحضارة المادية وما تركته من مظاهر الأنانية القاتلة والجشع الهالك والشح المطاع والهوى المتبع وغير ذلك، فإن التأمين بحسب تلك الاعتبارات يعد من أنبل الأعمال وأعظم المنجزات الإنسانية والاقتصادية والحضارية، التي تجلب ما ينفع البشرية في عاجلها وآجلها.

إن هذا الضرب من الاجتهاد هو فعلاً صميم الاجتهاد وصورته الحية، التي تؤكد خاصية التكامل والشمول والواقعية والخلود لشريعة الإسلام، وهو الذي يأتي على القضية المدروسة لينظر في حقيقتها وماهيتها، بواعثها وخفاياها، نتائجها ومآلاتها، ملابساتها وظروفها، خلفياتها السياسية والفكرية والأيديولوجية والعالمية .. وهو ليس غريبًا عن منهج الاجتهاد منذ نشوئه وبعثه، وهو الذي يعبر عنه بتعبيرات شرعية متنوعة على نحو اعتبار الكلي مع جزئياته، وقصد المكلف، واعتبار المآل، وتحقيق المناط العام والخاص، ومناسبات النزول والورود، والعلم بالواقع، ومعرفة العصر وغير ذلك.

والدعوة إلى جعل المقاصد إطارًا شاملاً لواقع العصر الحالي دون شذوذ أو استقلال عن المنظومة الشرعية، ليس سوى تأكيد لمبدأ اعتبار الجمع بين مراعاة المقاصد ككليات للمشكلات، والحوادث التي تمثل جزئيات وفروعًا لتلك الكليات العامة.

اعتماد التدرج والمرحلية والفقه الأولوياتي:

تعد هذه الخاصية من الثوابت المهمة في عملية الإصلاح والتغيير وتنزيل الأحكام، وهي ذات أصول ممتدة إلى العصر النبوي وعصر السلف .. وليس موضوع مناسبات النزول والنسخ وبعض مباحث التعارض والترجيح في الأخبار والمعاني وغير ذلك، إلا دليلاً على تقرير هذا المبدأ العظيم، ووجوب الالتفات إليه في عملية تنزيل الأحكام، وإصلاح الناس، وتحقيق المقاصد.

الإجتهاد المقاصدي · الصفحة ١٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإجتهاد المقاصديص ١٩٢