وعصرنا في أشد الحاجة إلى طروحات ومناهج تعتمد تقديم الأهم على المهم، وترجيح الأصلح على الصالح، ودرء الأفسد على الفاسد، فعصرنا قد سادت فيه أنواع من الفساد الاعتقادي والمالي والاجتماعي والأخلاقي، وليس فيه من بد سوى باعتماد ما يراه المصلحون والمجتهدون طريقًا أوليًّا في العلاج والتوجيه .. فترى مثلاً حصول أفهام خاطئة عن الإسلام بموجب التحامل والاحتكاك بالحضارة المادية، أو بموجب اهتراء الناحية العقائدية وضعفها .. وتلك الأفهام تؤثر بلا شك في تطبيق بعض الأحكام وتنزيلها، بل في اعتقادها والتسليم بها أحيانًا - والله المستعان - فإنه يتعين عند هذا الأمر بحث السبل المصححة لتلك الأفهام الخاطئة، حتى تُعاد صياغة الشخصية الإسلامية التي ستتقبل تنفيذ ما أمرت به، وتتهيأ لقبوله واعتقاده .
إن ما وَرِثَه العالم الإسلامي من (الغير) في مجالات حياتية مختلفة، على نحو النظام الإداري والمالي والسياسي والتربوي والاقتصادي، وعلى الرغم من إيجابياته ومحاسنه، إن ذلك أثّر على عقول كثيرة بقصد أو بغير قصد، وهو يحتاج بصورة أكيدة وملحة إلى فقه أولوياتي مرحلي تدرجي، قصد الإصلاح والتحسين، وكي لا تصب المعالجات والحلول دفعة واحدة، فالزمن نفسه جزء من العلاج .. وما أصيب به المسلمون من تحامل أثّر في البناء القانوني والاقتصادي والأخلاقي وغيره، لا يمكن أن يتغير بين عشية وضحاها.. وما تراه فئة إسلامية ضرورياً ولازمًا، يراه غيرها جديرًا بالتأخير والتريث حتى تتوفر ظروفه وأرضيته، وحتى يطبق على أحسن وجه، وحتى يحقق ما أراده الله تعالى من مقاصد وغايات .. وما يراه بعض العلماء في زمن ما مخلصًا شرعيًا، يراه غيرهم في زمن آخر مأزقًا دينيًا خطيرًا يجب تركه، وهكذا تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من أنزعة.