وجعل المقاصد إطارًا جامعًا لمشكلات العصر، لا يعني كما ذكرنا ذلك في أكثر من موطن استقلال تلك المقاصد عن الأدلة، وجعلها تضاهي الوحي الكريم وتهيمن عليه كما قد يفهم بعضهم ذلك، أو يريد أن يصل إلى ذلك، وإنما يعني استخدام المقاصد باعتبار كونها معاني وقواعد مستخلصة من عموم الأدلة وسائر التصرفات والأمارات الشرعية المبثوثة في الكتاب والسنة والآثار الشرعية المتعددة، وباعتبار أن تلك المقاصد يلاحظ فيها شدة الالتصاق والتعلق بالوضع المدروس والمبحوث عن حكمه أكثر من غيرها من الأدلة والقرائن الشرعية، على الرغم من أن تلك الأدلة والقرائن هي التي شكلت أساس انبناء تلك المقاصد وقيامها وتحكيمها . ونذكر بأوضح شاهد هنا ما ذكره الغزالي بقوله : (... إن من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ، لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تُعرف بالكتاب والسنة والإجماع).
فبيان حكم وضع أو حال معاصر يتم بإعمال المقاصد والأدلة معًا: بإعمال المقاصد بصفة مباشرة وبصفتها قواعد مستنتجة من الأدلة، وبإعمال الأدلة بصفة غير مباشرة بصفتها الشرعية، وباعتبار كونها أساس تلك المقاصد.
ولعل أوضح مثال على ذلك هو الاستنساخ الذي منعه العلماء في ضوء المقاصد الشرعية، وذلك لأنه مخل بمقصد حفظ النسل والنسب وغيره من المعتبرات المقاصدية الأخرى التي منع الاستنساخ في ضوئها، غير أن القول بمنع الاستنساخ في ضوء المقاصد لا يعني بداهة عدم الرجوع إلى الأدلة والقرائن الشرعية المتعلقة بذلك، وإنما يعني الرجوع إليها عن طريق استخدام مقصد حفظ النسل والنسب بالأساس، والذي توالت نصوص وأدلة شرعية كثيرة على إثباته وتقريره.
واللجوء إلى المقاصد لمعالجة مشكلات العصر يكون: