ومنها ما هو ثابت بالنصوص والإجماع على مر الأزمان، لا يتغير ولا يعدل بموجب المصالح الإنسانية المتغيرة والمتطورة، وهو مما ثبتت وتأكدت مصالحه المعتبرة بإجرائه على دوامه واستقراره وثباته، ومن قبيل ذلك نجد العبادات والمقدرات والكفارات وأصول الفضائل والقيم والمعاملات وغيرها.
ومعنى أن الاجتهاد المقاصدي لا يشملها ولا ينطبق عليها، لا يفيد عدم قابليتها للمعقولية والتعليلية، وكونها من الأمور التي لا تفهم مصالحها ومقاصدها وغير ذلك، وإنما يعني ذلك أنه لا يجوز تغييرها في وقت من الأوقات تحت موجب المصلحة أو مقتضى مقصد معين حتم ذلك التغيير.
بل كل مجالات الشريعة يمكن فهم مصالحها وحكمها ومشروعيتها، بناء على قاعدة كون الشريعة قد انطوت على ما فيه مصالح الناس في العاجل والآجل، وأنها جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الرذائل إلى الفضائل، ومن فساد الأوضاع إلى صلاح الأحكام.
فالمجال الذي لا يقبل إعمال النظر المقاصدي بغرض تغييره أو تعديله، لا يعني كونه مبهمًا وغير واضح في مشروعيته وحكمته، بل إنه معلل إما على الجملة وإما على التفصيل، وأن ذلك التعليل تتفاوت أحجامه وأقداره بحسب الحال والمقام، فالأمر التعبدي في الحج يلاحظ فيه التعليل والتقصيد أكثر من الأمر التعبدي في التيمم، فالحج مصالحه بارزة وظاهرة على الجملة، والتيمم عبادة رمزية اعتبارية ترابية تقتصر علته جملةً على أداء الامتثال والخضوع واستباحة الصلاة وتنزيه المعبود، وفي الحج نفسه تتفاوت درجات المعقولية والتعليل بين أعماله ومناسكه كما هو الحال في الهَدْي والحَلْق، إذ الأول قد لوحظ فيه التعليل بالتوسعة على الفقراء والتعويد على البذل والعطاء في زمن الشدة والحاجة، وشكر الله على ما أمد به ضيوفه من معاني الوحدة والتضامن، ومن خصال نعمة الصحة والسلامة وأداء الفريضة على خير حال.