أما الحَلْق ولئن لوحظت فيه بعض التعليلات على نحو اقتفاء أثر الأولين وتأكيد مظاهر الوحدة، وتحقيق الامتثال الأكمل وغيره ... فإنه غير واصل إلى شعيرة الهدي وغيرها من حيث المعقولية وبيان الحكمة والمقصد، وتجلية الأسرار والمشروعية . وهكذا الحال في سائر التكاليف والأوامر التي أراد الله عز ثناؤه أن ينيطها بما شاء من الحِكم والأسرار والغايات، وأن يتفضل على عباده ببيان بعض تلك المناطات، وأن يستأثر ببعضها حكمة منه وتقديرًا، و الأمر من قبل ومن بعد.
فما هي إذن المجالات التي لا يمكن أن نستخدم فيها الاجتهاد المقاصدي والنظر المصلحي، أي المجالات التي لا تتحدد أحكامها بموجب المصالح التي يراها الخلق، وليس المصالح التي تتضمنها تلك الحالات ابتداء من عند الشارع نفسه، والتي ينبغي على المجتهدين فهمها واستيعابها لمعرفة تلك المجالات وتتبع أحكامها؟
إذ المجالات القطعية لا تخلو من مصالحها المبثوثة فيها والتي يتعين فهمها واستيعابها .. وفهم تلك المصالح قد يطلق عليه معنى النظر المصلحي أو التفسير المصلحي، وهذا جائز مشروع .. أما الذي لا يجوز فهو تغيير تلك المجالات أو بعضها تحت غطاء المصلحة المتوصل إليها وتحت عنوان التفسير المصلحي والنظر المقاصدي . فالنظر المصلحي سلاح ذو حدين، فإذا قصد به فهم الحكم القطعي وفهم مقصده معه فهذا معلوم الجواز والتعين واللزوم، أما إذا قصد به تقديم المصالح على القواطع والثوابت فهو معلوم الترك والبطلان والفساد، ولا مشاحة في الاصطلاح.
الثوابت والمتغيرات في الشريعة:
إن علماء الشريعة ومجتهديها توصلوا باستقراء الأدلة والأحكام والقرائن والأمارات الشرعية إلى تقرير صفتين اثنتين للشريعة وأحكامها وتعاليمها، صفة الثبات والقطع، وصفة التغير والظن.