تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو كذلك يباشر الوقائع والحوادث ويفهم حقيقتها وطبيعتها ويستنبط ملابساتها وحيثياتها وظروفها، ثم بعد ذلك يعمل على موازنة الوحي بالوقائع، ويجتهد في مقابلة الواقعة الإنسانية بدليها ونصها من الوحي الكريم.

إن ذلك التنسيق بين الوحي والواقع ليس بالأمر الهين، ولا يقدر عليه إلا مَن رزقه الله عقلاً فياضًا يتمتع بحظوظ وافرة من الفهم والاستنباط، وإجراء التسوية والقياس والإلحاق، والتفريق والمقارنة، والتأصيل والتفريع والتركيب، والتحليل والتمييز، وغير ذلك من عمليات العقل التي لابد منها في عملية الملاءمة بين المدلول النصي والواقعة الإنسانية المستجدة.

إن ما ذكره العلماء والأصوليون من ضروب الاجتهاد ومجالات التأويل ومسالك التعليل وسائر صور النظر العقلي، لدليل ساطع على أهمية العقل في البنية التشريعية ومنظومة الوحي العزيز.

فمباشرة المناط تخريجًا وتنقيحًا وتحقيقًا ليس سوى مباشرة للنص ومدلوله ومعناه، ومعالجة للواقعة في ضوء ذلك النص وتوجيهه.

وكذلك الاجتهاد في المسكوت عنه من قِبَل الشارع غير نسيان، والذي ينبغي أن يعمل فيه بأوجه من النظر العقلي كالتعليل والإلحاق والإدراج والتسوية، وأن يؤول إلى تحقيق المقاصد الشرعية والمصالح الإنسانية التي تستسيغها العقول الراجحة وتتقبلها الفطر السليمة، وأن لا يؤدي إلى المفاسد والمهالك التي تأباها الأعراف الحسنة والطباع السليمة، إن ذلك الاجتهاد بمختلف صوره وأوجهه لحجة بينة وحكمة بالغة على تفويض الشرع للعقل في تقدير المصالح المتغيرة والمتعارضة.

والعقل الذي نتكلم عنه هنا ليس عموم أي عقل، بل هو العقل الإسلامي الذي ينبغي أن يتحرك في دائرة الشرع وضوابطه، وليس في منظومة الهوى والتلذذ والتشهي.

الإجتهاد المقاصدي · الصفحة ١٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإجتهاد المقاصديص ١٤٧