تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن الباحث في هذه القضية الشائكة والتي خاض فيها أربابها منذ زمن بعيد، والتي لم يكن لها من أثر علمي سوى القليل اليسير في مقابل ما قدّموه من جهود نظرية وجدلية وفلسفية كادت تعطل المقاصد الشرعية بدرء المصالح وجلب المفاسد، وتورث في الأمة المراء والجدل الكريهين، ثم إن تلك التباينات النظرية والكلامية قد سارت نحو الحسم والتحرير والتحقيق، والواقع المعاصر في حاجة إلى تعليل أحداثه وظواهره، وإلى تحسين أوضاعه وأحواله، وتقبيح فساده ومناكره وكبائره، في المعتقد والسياسة والأخلاق والاقتصاد والإعلام ونظام التعامل جملة.

فالباحث حيال هذه القضية الجدلية ليس بوسعه تقليد الأوائل في إعادة طرحها ومناقشتها، وإنما عليه النظر في أحوال عصره المتغير ومشكلاته العملية الميدانية السريعة التي تريد الحسم الفوري والإنجاز السريع، وليس العكوف مددًا قد تفني العمر في المجادلات التي لا طائل من ورائها .. والأولون قد يعذرون لطبيعة واقعهم الذي فشت فيه المجادلات، واعتبرت آخر ما ظهر في فنون المعرفة والخطاب، ودعت إليها ضرورة التصحيح والتصويب للمعاني العقدية والفكرية وغير ذلك.

والخلاصة، أن العقل والشرع يتكاملان في إقامة دين الله في الكون وتحصيل مقاصده في الدارين، بإصلاح المخلوق في نظمه وأحواله وسياساته ومعاملاته في الدنيا، وبإسعاده وإسكانه بجوار رب العالمين في الجنات العليا.

فالشرع ما نزل إلا ليخاطب عقل المكلف، والعقل ما بلغ رشده وصوابه إلا بتوجيه الوحي وتصويبه، وتحديد دوره وصلاحياته .

فالعقل شرط التكليف وأساس التدين، وطريق البناء الحضاري وإيجاد الوقائع بنسق متزن ومنضبط وهادف، وتنسيق لسنن الكون واستثمارها في خدمة مصالحه وحاجياته ومتطلباته .

وهو الذي يتعامل مع نصوص الوحي وأدلته، ويفهم معانيها ومدلولاتها، ويستنبط مراميها وأسرارها ومقاصدها.

الإجتهاد المقاصدي · الصفحة ١٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإجتهاد المقاصديص ١٤٦