ثم إن الخطاب المكي العقدي قد تخلله أحيانًا ما هو من قبيل الخطاب المدني التشريعي وكذلك العكس، وهذا كان لبعض الأفراد وفي بعض الأحوال التي انبنت على مناطاتها ومعتبراتها الشرعية.
المبحث الثالث: أساسيات المكلف »
المكلف هو محور عملية الاجتهاد ومدارها، فالنصوص ما جاءت إلا للمكلف، والواقع ما حدث إلا به، والذي يهمنا من المكلف عقله الذي يلائم بين مدلول النص وحوادث الواقع .
وهو يشمل عقل المكلف العادي فيما كلف به من خطاب شرعي، أمرًا ونهيًا، يتعلق بجملة الأوامر والنواهي التي يجب عليه فهمها وفعلها وأخذها من كتب العلم وكلام الفقهاء.
ويشمل كذلك المكلف بالاجتهاد والاستنباط والمأمور ببيان أحكام الشريعة في حوادث عصره ونوازل مجتمعه .. إلا أن الذي يعنينا مباشرة هو العقل الاجتهادي، الذي سيكون أداة التنسيق والربط بين الوحي الثابت والواقع المتغير.
فبيان حقيقة العقل ومكانته ودوره وحدوده في استنباط الأحكام، وفي التنسيق بين الوحي الإلهي والواقع الإنساني، أمر مهم للغاية وشرط لابد منه لقيام ذلك الوحي على ما أراده الله تعالى حقيقة، وما قصده من غايات وحكم ومصالح في الدارين، ولانبناء الواقع المعيش على هدي الوحي وتعاليمه.
وكلما تبينت مكانة العقل ومهامه وعلاقته بالشرع وتطبيقاته، كانت منظومة الأحكام متنزلة على أحسن الوجوه وأعظم الفوائد وأنسب للمراد الشرعي والقواطع الدينية.