تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن معرفة الأمراض النفسية والاجتماعية والعقدية، التي يتخبط فيها الكثير من المسلمين، يعين كثيرًا على فهم ترك الامتثال وتنقيصه، ويساعد على تحديد أنجع الوسائل الإصلاحية والتربوية كتقديم الناحية العقدية على الناحية الإلزامية الحكمية، أو البدء بمعالجة الأسباب لمعالجة النتائج والآثار.

فقد يكون واقع الحرمان والخصاصة واللهف وراء القوت سببًا في حصول تلك الأمراض، وقد يكون الخوف أو الطمع سببًا في ذلك، وقد يكون الفهم للأحكام مختلاً أو التطبيق لها منقوصًا، وقد تطغى في بلد العادة والتقليد على الشرع والدين، وقد تطفو البدعة لتصير معتقدًا، ويتبع المصلح فيصبح مقدسًا، ويهان العالِم فيصبح منبوذًا، وغير ذلك من الظواهر والأمور التي تتفاوت فيها الأنظار وتختلف فيها الاعتبارات وتتباين فيها المآلات، وليس لها من خروج إلى سبيل إلا بتحقيق مناطاتها ومعالجة ملابساتها وحيثياتها باجتهاد شرعي بنَّاء، ونظر مقاصدي أصيل.

إن معرفة سمات الواقع في كبريات خصائصه وجزئيات نوازله إطار مبدئي مهم وضروري لتنزيل أحكام الله تعالى وبث مغازيها وغاياتها وآثارها، ولنا في سلف أمتنا وخلفها ما يؤكد ذلك ويدعو إليه، وقد مر قبل قليل كيف أن الجيل الأول من الصحابة والتابعين قد فقهوا عصرهم كما فقهوا أحكام دينهم، بل لنا في سنة الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم خير التوجيهات وأعظم الفوائد في هذه الناحية، فليس تأسيسه لما عرف بالخطاب المكي العقدي والخطاب المدني التشريعي إلا دليلاً على اعتبار ما قلنا ومراعاة الواقع المكي التي كانت فيه العقلية العامة تحتاج إلى ما يعيد بناء أصولها وصياغة تصوراتها ومعتقداتها، ومراعاة الواقع المدني الذي احتاجت فيه العقلية العامة إلى ما يرشدها في التشريع والتقنين، بعد أن استقرت العقيدة في الأذهان، واستوطن الإيمان وأركانه في النفوس.

الإجتهاد المقاصدي · الصفحة ١٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإجتهاد المقاصديص ١٤٤