وتحقيق المناط تتفاوت مراتبه ودرجاته بتفاوت العقول والقرائح والملكات، علمًا وصلاحًا، ودربة وخبرة، باختلاف الوقائع والظواهر، ومدى ظهور أو خفاء خصائصها وملابساتها ودوافعها وغير ذلك، وهو قدر كل مجتهد ومفت وقاض وحاكم، بل هو قدر المكلف نفسه الناظر في ما يتعلق به من أحكام، فهمًا وتنزيلاً .. فالمكلف مثلاً ينظر في شرعية ما يقبل عليه من فعل للتيمم أو الإفطار أو القصر بسبب المرض أو السفر، هل أن واقعة المرض والسفر هي نفسها التي جاءت الأدلة لاعتبارها موجبة للتيمم والإفطار أم لا؟ وقس على ذلك بقية أحكام المكلف التي وجب عليه النظر فيها وفي ما يتعلق بها من وقائع ومناطات، ومرتبطات ومتعلقات .. والمكلفون في ذلك متفاوتون بحسب تفاوت ملكاتهم وأفهامهم وجهودهم العقلية في تحقيق أفعالهم وارتباطاتها بالأحكام .
غير أن تحقيق المناط مسلك منوط بأهل الاجتهاد والاستنباط أكثر من غيرهم، وذلك لأن المكلف قد يكتفي باستيعاب منظومة الأحكام وفهمها من العلماء وتقليدهم في ذلك تقليدًا حسنًا وبنَّاءً، مع استحسان ما ينبغي له من النظر في ذلك كله ولو بأقدار يسيرة وأحجام توصله إلى الساعين إلى صواب الاجتهاد وتثبت فيه معاني التحوط والاكتمال في الامتثال إلى الله تعالى وطاعته .
خصائص الواقع المعاصر:
خصائص الحوادث والظواهر التي يراد البت فيها شرعيًا ومقاصديًا من الأمور اللازمة للمجتهد كما هو معلوم، غير أن هناك ما يكون ألزم منها أو مثلها في اللزوم ووجوب المعرفة والدراية في عملية الاجتهاد، فلا يمكن الحكم على تلك الظواهر والحوادث الجزئية إلا بإدراك خصائص العصر الحالي وسمات أحواله وطبائعه ومعالمه ومختلف دوافعه وبواعثه الفلسفية والاقتصادية والتكنولوجية وغيرها.
ومن تلك الخصائص ما هي مشتركة بين المسلمين وغيرهم كخاصية العلمية والعملية والتخصص، والتهديد المروع للعالم بسبب النشاط النووي والكوارث البيئية والحروب المحتملة والمدمرة.