وهذا مما يزيد في التأكيد على تجذير العمل بالاجتهاد الجماعي المؤسساتي التخصصي، وفي أهمية توعية الجماهير المسلمة وتثقيف رجالات العلم وطلاب المعرفة وشباب الأمة وتزويدها بمعلومات العصر وثقافته.
والواقع ليس إلا مجموع الوقائع الفردية والجماعية، الخاصة والعامة، ومن ثم فإن فهم ذلك الواقع هو فهم تلك الوقائع واستيعابها، وتبين طبيعتها وخصائصها، حتى يسهل تنزيل الحكم الشرعي عليها، وهذا هو الذي عبّر عنه الأصوليون بتحقيق المناط الخاص والعام، أي دراسة الواقعة كما هي، وهل أنها جديرة بتعلقها بالنص أو الدليل المقترح لمعالجتها أم لا؟
ومثال ذلك طروء معاملة مالية في المجال الاقتصادي والتعامل البنكي، فإنه يتعين على المجتهدين والخبراء والمتخصصين كما ذكرنا تحقيق مسمى تلك الواقعة، والنظر في طبيعتها وحقيقتها، ليحكموا في حليتها أو حرمتها بمقتضى كونها نوعًا من أنواع المعاوضات المشروعة، أو صورة من صور الربا الممنوع، وفرعًا من فروع الغرر المحظور . ومثاله أيضًا صدور اتفاق بين المسلمين وغيرهم، فإنه ينظر في طبيعة ذلك الاتفاق : هل هو صلح مبني على مصلحة شرعية ثابتة، أم أنه استسلام وخنوع ليس من ورائه سوى زيادة الخسارة والفساد والانسلاخ والذوبان؟
تحقيق المناط: