كما أن هناك الكثير من الشواهد النصية السنية، وعديد من آثار السلف والخلف، وجملة القواعد الاجتهادية الدالة على وجوب اعتبار الواقع وفهمه في الاجتهاد، من ذلك قواعد العرف والعادة وتغير الأحكام بتغير الزمان والمكان والحال فيما تعددت احتمالاته وتغير بتغير الوقائع والظروف، وغير ذلك مما يدل على اعتبار الواقع والالتفات إليه في الاجتهاد.
ففهم الواقع يعد شطرًا ثانيًا لمنظومة الأحكام، إضافة إلى النصوص التي لم تأت إلا لتخاطب الواقع وتتنزل فيه على أحسن حال، وأفضل منهج، وأقوم سبيل .. وواجب المجتهد الاطلاع على أحوال زمانه، وإلمامه بالأصول العامة لأحوال عصره، فهو يسأل عن أشياء قد لا يدري شيئًا عن خلفيتها وبواعثها وأساسها الفلسفي أو النفسي أو الاجتماعي فيتخبط في تكييفها والحكم عليها.
وتتأكد عملية فهم الواقع في العصر الحالي، حيث برزت للوجود طائفة عظمى من الحوادث والنوازل في مجالات مختلفة وبخلفيات متنازعة، وجدّت على ساحة الفكر والسياسة والاقتصاد والطب والأخلاق مشكلات مستعصية ودقيقة لا يمكن الحسم فيها من الوجهة الشرعية إلا بمعرفة أحوالها ودقائقها وخلفياتها ودوافعها مما يجلي حقيقتها ويحرر طبيعتها، ويساعد على إدراجها ضمن أصولها وإلحاقها بنظائرها وتأطيرها في كلياتها وأجناسها.
فالحكم على المعاملات البنكية ليس ممكنًا إلا بدراسة الخبير الحاذق الأمين، العارف بأحوال الاقتصاد ودقائقه وصوره ومآلاته ودوافعه وسائر متعلقاته، وكذلك الحكم في المجال الطبي وغيره من المجالات، التي تستوجب القول الفصل من ذوي التخصص والأمانة والخبرة، حتى يتم التصور الذهني الحقيقي للقضايا المستحدثة، وحتى يسهل الحكم عليها، جوازًا أو منعًا، حسب المنظور الشرعي .