تعد دراسة الواقع الإنساني من أعقد الدراسات وأعسرها، وذلك لطبيعة ذلك الواقع وتداخل معطياته وخيوطه وظواهره، وتسارع أحداثه وقضاياه ونوازله، لذلك فإن فهمه يعد أمرًا مهمًا جدًا في عملية الاجتهاد، إذ الحكم عن الشيء فرع عن تصوره، كما يقول أهل العلم والمنطق، وكلما كان الفهم لطبيعة ذلك الواقع قريبًا من الصواب كان تطبيق الأحكام وتحقيق مراميها ومقاصدها كذلك، ومن هنا عبر عن الاجتهاد بأنه استفراغ الوسع لتحصيل القطع أو الظن الغالب، ومعنى الاستفراغ بذل كل ما في الوسع واستخدام ما ينبغي استخدامه لمعالجة واقعة إنسانية وحوادث الزمان المختلفة بصيغة دينية وبحكم شرعي.
وفهم الواقع الذي يراد تحكيمه بالتعاليم الشرعية - وليس العكس كما يحلو للبعض ذلك، حيث اعتبروا الشرع محكومًا بالواقع وهذا منتهى الجحود والكفر - لم يكن بدعًا، فقد استحضره السلف والخلف بتفاوت من حيث مقدار الفهم ودرجات صوابه وملاءمته للحقيقة، ورتبوا عليه أحكامهم وفتاواهم وآراءهم، وأبرزوا بجلاء تحقق قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان والحال وتبدلها - فيما يقبل التبديل وليس في القواطع - بتبدل الواقع الحياتي ومشكلاته وظواهره وحوادثه .
وليست المعالجات الشرعية لحوادث الدولة الإسلامية في العصر الأول ولمشكلاتها المتأتية بسبب اختلاف البيئات المفتوحة الجديدة والعادات والنظم المألوفة ومنظومة العلاقات المتداخلة في مجال الاعتقاد والسياسة وطريقة العيش وأحوال الأسرة وأساليب التعبير والتخاطب ... ليس كل ذلك إلا دليلاً على أن ذلك الواقع الذي عولجت حوادثه وحلت مشكلاته قد استقر فهمه في أذهان السلف، وقد تبينت معالمه وطبيعته وسماته .