فالإجماع القطعي هو كالنص القطعي في دلالته على حكمه في اليقين وعدم التأويل، وفي أولويته على المصلحة، وليس جائزًا أن يُقال : إن الإجماع المستند إلى نص ظني لا يقوى على معارضة المصلحة، أو أنه في حكم النص الظني نفسه في تعدد دلالاته ووجوب حصرها والاختيار منها بما يتماشى مع المصلحة، فهذا القول مردود عليه بداهة من جهة القطع والظن معًا : أي من جهة قطعية الإجماع وظنية النص الذي استند إليه الإجماع، ومعلوم أن الإجماع قد اكتسب شرعيته القطعية من الدليل الشرعي الظني الذي استند إليه، ومن الاتفاق على ذلك الدليل الظني .
فحكم الإجماع مستفاد إذن من الدليل الشرعي الظني، ومن عنصر الاتفاق واجتماع الأمة الذي زكاه الشرع وصححه .
أما إذا كان الإجماع ظنيًا أي قائمًا على أحكام متغيرة بتغير الزمان والمكان والحال، ومبنيًا على مصلحة ظرفية لم تثبت أبديتها وبقاؤها، فإنه خاضع للتعديل والتغيير بموجب المصلحة الحادثة : (ومجرد الاتفاق في عصر على حكم لمصلحة لا يكفي في أبديته، بل لابد مع هذا الاتفاق من اتفاق آخر على أنه دائم لا يتغير).
وقد كان الأئمة يمنعون شهادة القريب على قريبه، والزوج على زوجته والعكس، لضمان حقوق الناس، وقد كان ذلك جائزًا في عصر الصحابة إجماعًا واتفاقًا .
والحق أن هذا التعارض بين الإجماع الظني المنبني على المصلحة الظرفية وبين المصلحة الحادثة هو في حقيقته تعارض بين مصلحتين : مصلحة الإجماع المرجوحة والمصلحة الحادثة الراجحة، وإذا كان كذلك فإنه يعمل فيه بترجيح الراجح عن المرجوح، لسبب من الأسباب المتعلقة بالقطع أو الكلية أو العموم أو الوقوع أو غير ذلك .