والخلاصة، أن تقدير المصالح ومراعاتها تتفاوت أحجامه ومراتبه بحسب طبيعة النصوص وتنوعها من حيث القطع والظن، فكلما كان النص ظنيًا كان تقديم المصالح واردًا ومطلوبًا ومدعوًا حتى يتوصل إلى ما هو أقرب للمراد الإلهي، وأجلب للمصلحة الإنسانية، وأضمن لتطبيق الحكم على أحسن وجه وأتمه .
غير أن هذا لا يعني أن النص القطعي خال من المصالح والمنافع، وإنما يعني أن تحصيل نوع من المصالح الحقيقية جار على وفق ما جعله الشارع غير قابل للتغيير والتأويل على مر الأيام والأحوال بأن جعله قطعيًا لا يتطرق إليه الاحتمال والافتراض .. كما أجرى نوعًا آخر من تلك المصالح على ما جعله متبدلاً بتبدل الأزمنة والظروف والأحوال، بأن جعله ظنيًا تختلف في مدلولاته الأنظار والأفكار .
الضابط الثاني: عدم معارضتها للإجماع:
الإجماع هو الدليل الشرعي بعد النص، وهو إما أن يكون قطعيًا أو يكون ظنيًا .. فإن كان قطعيًا كالإجماع على العبادات والمقدرات، وعلى نحو تحريم الجدة كالأم، وتحريم الجمع بين المرأة وخالتها، وتحريم شحم الخنزير، وتوريث الجدة للأب مع الجدة للأم، وغير ذلك من المسائل التي تحقق فيها الإجماعي القطعي.
فهذا النوع من الإجماع لا يتغير بالمصلحة مهما كانت مشروعيتها ومنطقيتها ودرجة المعقولية فيها، ولا ينبغي أن يُقال : إنها مصلحة معتبرة وقطعية، لأنها إن كانت كذلك كما يدعى، فقد ألحقنا التناقض والنقص بالوحي، وهذا محال ومردود، لاستحالة وجود التعارض بين القواطع، والأمر في حقيقته ليس سوى ادعاء للمصلحة وتوهمها بلا أدنى درجة من درجات الاعتبار الشرعي .