وبناء على هذا الأصل يكون النهي عن الضرر في هذا الحديث شاملاً لما إذا كان الضرر ناتجاً عن طريق المباشرة، أو ناتجاً عن طريق النسب مع التعدي، وهو عين ما تقرره المسئولية التقصيرية في القانون المدني، وشامل كذلك للضرر الذي يترتب على فعل مشروع في ذاته، وهذا يعتبر أصلاً من أصول نظرية التعسف في استعمال الحق التي عرفها الفقه القانوني المعاصر على نحو أضيق مما عرفته الشريعة الإسلامية منذ عدة قرون، يؤيد ذلك ما ورد في الكتاب والسنة من النهي عن المضارة في ((الحقوق))[14] كما يؤيده ما أثر من فقه الصحابة بمنع كل ذي حق من أن يتسبب باستعمال حقه في إيقاع الضرر بغيره، كما في قضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه على محمد بن مسلمة في إجباره على إمرار الماء في أرضه لمصلحة جاره، وكما في توريث عثمان بن عفان رضي الله عنه في توريث المبتوتة في مرض الموت بقصد حرمانها من الميراث، وكل ذلك من باب المنع من استعمال الحق إذا أدى إلى الاضرار بالغير دون نفع يرجع على صاحب الحق، أو المنع من استعماله لمجرد قصد الاضرار وهضم الحقوق، تحريماً للتسبب في ذلك ولو كان ذلك التسبب في الأصل مشروعاً.
غير أن بحثنا هنا لا يتسع لسرد الأدلة من الكتاب والسنة وفقه الصحابة، وتناول ذلك بالتفصيل وبيان وجه الاستدلال، وإن كنا قد أشرنا إلى ذلك في غير موضع من مقالاتنا السابقة، لأني أود قصر البحث هنا على نقطة هامة هي:
مدى استدلال أئمة المذهب بحديث ((لا ضرر ولا ضرار)) في استعمال حق الملكية الفردية على الخصوص.
رأى الإمام الشافعي في مدى حق الملكية بالاستناد إلى حديث ((لا ضرر ولا ضرار)):