يرى الإمام الشافعي – رحمه الله – أن حديث ((لا ضرر ولا ضرار)) ليس نصاً قاطع الدلالة في منع المالك من التصرف في ملكه إذا ترتب عليه ضرر بغيره، بل هو محتمل أيضاً لنفي الضرر عن المالك في منعه من التصرف في ملكه لمصلحة الغير ضرراً أشد من مصلحة دفع الضرر عن غيره، الضرر عن الغير لإيقاعه بالمالك، ويرى الإمام الشافعي أن في منع المالك من التصرف في ملكه لمصلحة الغير ضرراً أشد من مصلحة دفع الضرر عن غيره، إذ يقول في كتابه الأم:
"فإن تأوَّل رجل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "لا ضرر ولا ضرار" فهذا الكلام مجمل لا يحتمل لرجل شيئاً إلا احتمل عليه خلافه، ووجهه الذي يصح به، أن لا ضرر في أن لا يحمل على رجل في ماله[15] ما ليس بواجب عليه، ((ولا ضرار)) في أن يمنع رجل من ماله ضراراً، ولكل ما له وما عليه. فإن قال قائل: بل أحدث للناس في أموالهم حكماً على النظر لهم[16] وأمنعهم في أموالهم على النظر لهم، قيل إن شاء الله تعالى: أرأيت رجلاً له بيت يكون ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع في دار رجل له مقدرة[17]، أعطاه به ما شاء، مائة ألف دينار أو أكثر، وقيمة البيت درهم أو درهمان، وأعطاه مكانه داراً مع المال أو رقيقاً، هل يجبر على النظر له أن يأخذ هذا الكثير بهذا القليل؟... أو رأيت رجلاً له قطعة أرض بين أراضي رجل لا تساوي القطعة درهماً، فسأله الرجل أن يبيعه منها ممراً بما شاء من الدنيا، هل يجبر على أن يبيع ما لا ينفعه بما فيه غناه؟؟.."
وذكر أمثلة أخرى في هذا المعنى. إلى أن قال – رحمه الله –:
"فإن قال قائل لا يجبر واحد من هؤلاء على النظر له قلنا: وكل هؤلاء يقول: إنما فعلت هذا اضراراً بنفسي واضراراً للطالب إليَّ[18]..." إلخ.