وعندي إنه إذا انتفت مشروعية الضرر بصريح قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ضرر ولا ضرار" كان ذلك نهياً عن الأفعال التي تؤدي إلى الضرر مقصوداً أم غير مقصود، اجتثاثاً لواقعة الضرر في أي صورة من صوره بالقضاء على أسبابه المحرمة، وبالقضاء على أسبابه المشروعة في الأصل أيضاً إذا ترتب عليها اضرار على قدر يعني من الجسامة، تطبيقاً لعموم هذا الحديث، وتنفيذاً لإرادة المشرع في أوسع مدى، إلا ما استثنى منه بدليل.
واعمال الحديث على هذا الوجه يقضي بمحو واقعة الضرر بقطع النظر عن السبب المنشئ له ولو كان في الأصل مشروعاً، إذ الحديث عام ومطلق غاية ما في الأمر أن الأصوليين استنتجوا من جزئيات الأحكام بالاستقراء ضابطاً يكيَّف الفعل في ضوئه بالمشروعية وعدمها، ضابط المشروعات هذا قاض بضرورة النظر في ثمرة الفعل بين ما اشتملت عليه من نفع وضرر، فإذا كانت كفة الضرر هي الراجحة[13] منع الفعل ولو كان في الأصل مشروعاً تطبيقاً لعموم هذا الحديث وما اشتق منه من قواعد تحكم الضرر سنأتي على بحثها في موضعه بإذن الله تعالى.