الفصل الثالث؛ إيضاحات حول حكم الجهاد اليوم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
1) فقد تكلمنا طويلا عن حكم الجهاد اليوم في أفغانستان وفلسطين، وفي كل ما شابهها من أراضي المسلمين المغتصبة، وأكدنا ما قرره السلف والخلف من محدثين ومفسرين وفقهاء وأصوليين أنه إذا اعتدي على شبر من أراضي المسلمين أصبح الجهاد فرض عين على أهل تلك البقعة، تخرج المرأة دون إذن زوجها - بمحرم - والمدين دون إذن دائنه والولد دون إذن والده، فإن لم يكف أهل تلك البقعة أو قصروا أو قعدوا توسع فرض العين على من يليهم، وثم ... وثم ... إلى أن يعم فرض العين الأرض كلها فرضا لا يسعهم تركه كالصلاة والصوم وغيرها.
2) إن فريضة الجهاد اليوم تبقى عينية حتى تتحرر آخر بقعة إسلامية كانت بيد المسلمين واستولى عليها الكفار.
3) بعض العلماء يرون أن الجهاد الآن في أفغانستان وفلسطين فرض كفاية، ونحن معهم أن الجهاد كان بالنسبة للعرب في أفغانستان فرض كفاية، ولكن الجهاد بحاجة إلى رجال ولم يقم أهل أفغانستان بفرض الكفاية - وهو إخراج الكفار من أفغانستان - وهنا ينقلب فرض الكفاية ويصبح فرض عين، ويبقى فرض عين في أفغانستان حتى يتجمع عدد من المجاهدين يكفون لطرد الشيوعيين، وهذا يرجع الحكم من فرض عين إلى فرض كفاية.
4) ليس لأحد إذن أحد في فروض الأعيان لأن القاعدة لا استئذان في فروض الأعيان.
5) إن الذي يصد عن الجهاد كالذي يصد عن الصيام، ومن نصح مسلما قادرا على عدم الذهاب للجهاد فهو في حكمه كمن نصحه بالإفطار في رمضان وهو صحيح مقيم.
6) الأولى هجران الذين يثبطون عن الجهاد وعدم الدخول معهم في نقاش يؤدي إلى جدل يقسي القلوب.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (51/ 313): (وجماع الهجرة هي هجرة السيئات وأهلها، وكذلك هجران الدعاة إلى البدع، وهجران الفساق وهجران من يخالط هؤلاء أو يعاونهم، وكذلك من يترك الجهاد الذي لا مصلحة لهم بدونه، فإنه يعاقب بهجرهم له لما لم يعاونهم على البر والتقوى، فالزناة واللوطية ومن ترك الجهاد وأهل البدع وشربة الخمر فهؤلاء كلهم، ومن خالطهم مضرة على دين الإسلام وليس فيهم معاونة على بر ولا تقوى، فمن لم يهجرهم كان تاركا للمأمور فاعلا للمحظور).
ملاحظات هامة حول تطبيق الحكم:
1) إننا عندما ندعو الناس للجهاد ونبين حكمه لا يعني أننا متكلفون بهم وبتذاكرهم وكفالة أسرهم، إذ أن مهمة العلماء بيان الحكم الشرعي وليس عليهم أن يحملوا الناس إلى الجهاد ويستدينوا من أموال الناس لكفالة أسر المجاهدين، فإذا بين ابن تيمية أو العز بن عبد السلام حكم قتال التتار فلا يعني هذا أنه يجب عليه تجهيز الجيش.
2) إن تنفيذ الفرائض وأدائها مبني على الإستطاعة، فالحج فريضة على المستطيع ..
(ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (آل عمران: 97).
وكذلك الجهاد أداؤه حسب الإستطاعة، ففي الكتاب العزيز: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) (التوبة: 91/ 92).
قال ابن العربي (2/ 995): (هذه الآية الثانية أقوى دليل على قبول عذر المعتذر بالحاجة والفقر عن التخلف في الجهاد إذا ظهر من حاله صدق الرغبة مع دعوى العجزة).
وقال القرطبي (8/ 226): (الآية أصل في سقوط التكليف عن العاجز، فكل من عجز عن شيء سقط عنه، فتارة إلى بدل هو فعل، وتارة إلى بدل هو عزم، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال).
ويفسر هذه الآية قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (البقرة: 286).
وفي صحيح مسلم: (إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض)، وفي رواية (حبسهم العذر).
قال القرطبي والجمهور من العلماء: (على أن من لا يجد ما ينفقه في غزوة أنه لا يجب عليه).
يستدل الطبري (10/ 112): (ليس على أهل الزمانة - المرض المزمن - وأهل العجز عن السفر والغزو ولا على المرضى ولا على من لا يجد نفقة يتبلغ فيها إلى مغزاه حرج - وهو الإثم -).
ويقول ابن تيمية (15/ 313): (وما جاءت به الشريعة من المأمورات والعقوبات والكفارات وغير ذلك فإنه يفعل منه بقدر الإستطاعة).
وبناء على ما تقدم من نصوص العلماء:
1) فإن إثم القعود عن الجهاد ساقط عن أصحاب الأعذار ومن أصحاب الأعذار:
أ) من كان له زوجة وأولاد وليس لهم معيل بالنفقة غيره، أو ليس لهم من يقوم على خدمتهم وكفالتهم غيره، فإذا استطاع أن يدبر لهم نفقة أثناء غيابه فإنه آثم بالقعود، وعلى كل مسلم أن يقلل من نفقته ويوفر من راتبه حتى يتمكن من النفير.
ب) من لم يستطع أن يتحصل على تأشيرة قدوم إلى باكستان بعد محاولات كثيرة.
ج) من منعته حكومته بأخذ الجواز أو منعته من الخروج من المطار.
د) من له والدان وليس لهما معيل يقوم عليهما بالنفقة أو الخدمة غيره.
حكم التخوف من سؤال أجهزة الأمن إذا رجع المجاهد من الجهاد إلى مسقط رأسه:
إن هذا الأمر ليس عذرا أبدا لأنه ظن وشك، واليقين لا يزول بالشك، فالجهاد يقيني والخوف من سؤال المخابرات شك، وكذلك لو تيقن أن المخابرات تسأله فهذا ليس عذرا يرفع به إثم القعود عن الجهاد، لأن العذر بالإكراه المعتبر في الشريعة الذي يسقط به إثم ترك الفرائض هو (الإكراه الملجئ الذي به فوات النفس أو العضو) أي التعذيب فيه موت أو قطع عضو، وكذلك التخوف من أجهزة الأمن في البلدان التي يحمل جوازها - ولو تيقن أنه إذا رجع وأمسكت به قتلته أو قطعت عضوا من أعضائه فهذا ليس عذارا مقبولا عند الله لأنه في هذه الحالة يجب أن يترك بلده ويعيش في أرض الجهاد:
(إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا) (النساء: 97/ 99).
حكم جهاد النساء العربيات في أفغانستان:
النساء العربيات لا يجوز لهن أن يأتين بدون محرم وعملهن مختص بالتعليم أو التمريض أو إغاثة المهاجرين، وأما القتال فلا تستطيع العربيات القتال، لأن المرأة الأفغانية حتى الآن لم تقاتل.
حكم الذي به عاهة تمنعه عن القتال ولكن لا تمنعه من العمل في مجالات أخرى كالأعرج:
إن فرضية العين لا تسقط عن الأعرج ولا عن المريض مرضا غير مقعد، لأن بإمكانهم أن يعملوا في مجالات الصحة والتعليم وهو ميدان واسع، والمجاهدون الآن حاجتهم إلى الدعاة أشد من حاجتهم إلى الطعام والسلاح والدواء.
قال ابن الهمام في فتح القدير (5/ 441): (وأما الذي يقدر على الخروج دون الدفع - القتال - ينبغي - يجب - أن يخرج لتكثير السواد فإن فيه إرهابا).
فإذا كان الخروج لتكثير العدد واجب، فكيف بالخروج لتعليم المجاهدين أحكام دينهم؟ إن هذا أشد وجوبا وأعظم فرضية.
نداء إلى ذوي الأسر:
وفي الختام نقول لأصحاب الأسر؛ لا يجوز أن يتركوا أسرهم وينفروا للجهاد بدون تأمين نفقتهم وبدون تأمين من يقوم على خدمتهم.
فمن أراد الخروج الآن من أرباب الأسر ومعه أسرته، فنحن لا نستطيع كفالته، فعليه أن يبحث مع المركز الإسلامي القريب منه أو مع بعض الأخيار حتى يؤمنوا له نفقة عياله، فعلى الفقراء من أرباب الأسر أن يبحثوا جادين عمن ينفق على أهاليهم أثناء غيابهم ويسعوا سعيا حثيثا لتدبير نفقتهم ثم ينفروا للجهاد.