تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الثاني؛ وا إسلاماه

ملء أفواه الصبايا اليتم ... أيها المسلمون; السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

فلا يخفى عليكم التضحيات الباهظة التي فرضت على الشعب الأفغاني المسلم، فقد مضى حتى الآن تسع سنوات ونيف على انقلاب نور تراقي الشيوعي في نيسان سنة (1978م)، ومنذ ذلك الحين والمسلمون في أفغانستان يتحملون أقصى ما يمكن أن يتحمله بشر لحماية دينهم وأعراضهم وأطفالهم، ولم يبق بيت في أفغانستان إلا وتحول إلى مأتم وميتم.

وقد أعذر هؤلاء إلى الله، وأشهدوا الله من خلال الجماجم والأشلاء والأرواح والدماء أنه لم يبق في القوس منزع، وكادت سهام الكنانة تنفد، وخلال هذه الفترة الطويلة كان الأفغان يأملون من إخوانهم المسلمين أن تفد جموعهم، وأن تتحرك إخوة الإسلام في أعماقهم، ولكن لم يلب المسلمون نداءهم حتى الآن، وكأن في آذانهم صمت دون أنات الثكالى، وصيحات العذارى وآهات الأيتام، وزفرات الشيوخ، واكتفى كثير من الطيبين بإرسال بعض فضلات موائدهم وفتات طعامهم!

ولكن الأمر أكبر من هذا، والخطر جلل، والإسلام والمسلمون في أفغانستان في كرب شديد وخطر مهدد أكيد.

قام هذا الجهاد المبارك على يد حفنة من الشباب تربوا على الإسلام، وعلى يد جماعة من العلماء نذروا أنفسهم لله.

ولكن هذا الجيل الأول معظمه سقط على طريق الشهادة، وتقدم الجيل الثاني الذي لم يحظ بقسط من التربية والتوجيه، ولم يلق يدا حانية توليه اهتماما بالتربية والتعليم.

ومثل هؤلاء بحاجة ماسة إلى من يعيش بينهم ليربطهم بالله لله، ثم بالأحكام الشرعية.

ونحن على قدر اطلاعنا القليل وعلمنا اليسير، نعتقد أن الجهاد في مثل هذه الحالة الراهنة في أفغانستان فرض عين بالنفس والمال، كما قرره فقهاء المذاهب الأربعة بلا استثناء، ومعهم جمهرة المفسرين والمحدثين الأصوليين.

يقول ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (4/ 608): إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب ... إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا.

ويقول في مجموع الفتاوى (82/ 358): فإذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين، كما قال تعالى: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) (الأنفال: 72).

كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصر المسلم، وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال، أو لم يكن، وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب، كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد.

ونصوص فقهاء المذاهب الأربعة صريحة قاطعة بهذا لا تحتمل تأويلا دون لبس ولا غموض.

يقول ابن عابدين الحنفي في حاشيته (3/ 238): وفرض عين إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام، فيصير فرض عين على من قرب منه، فأما من وراءه ببعد عن العدو فهو فرض كفاية إذا لم يحتج إليهم، فإن احتيج إليهم بأن عجز من كان قرب العدو عن المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عنها ولكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا، فإنه يفترض على من يليهم - فرض عين - كالصلاة والصوم، ولا يسعهم تركه، وث م وث م إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا على هذا التدريج.

وبمثل هذا النص الواضح الجلي أفتى الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع (7/ 72)، وابن نجيم الحنفي في البحر الرائق (5/ 72)، وابن الهمام في فتح القدير (5/ 191).

وراجع إن شئت حاشية الدسوقي المالكي (2/ 174) ونهاية المحتاج للرملي الشافعي (8/ 58) والمغني لابن قدامة الحنبلي (8/ 345).

ولعل بعض الناس يجدون مبررا لأنفسهم بأن كثيرا من الأفغان ليسوا على المستوى الإسلامي المقبول من التربية، ويعذرون أنفسهم بالقعود بسبب بعض المخالفات.

ولكن الرد على هذا بأن الفقهاء نصوا على أنه يجب الجهاد ولو مع عسكر كثيري الفجور.

وهذا من أصول أهل السنة والجماعة (الغزو مع كل بر وفاجر)، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديما وحديثا، وهي واجبة على كل مكلف.

وعدم الغزو مع الأمراء (ولو كانوا فجارا) أو مع عسكر كثيري الفجور هو مسلك الحرورية - من فئات الخوارج - وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم (مجموع الفتاوى لابن تيمية 28/ 506).

وبعض الناس يعذرون أنفسهم بأن مكانهم في بلدهم ضروري للتربية والتعليم، ونحن نورد لهم قول الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنك عليل، فقال استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.

فأي الناس منزلته وعمله يداني سيد التابعين ووارث علم النبوة عن طريق صهره والد زوجته؛ أبي هريرة رضي الله عنه.

لقد بلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين، واشتد الأمر على المسلمين فمتى النفير؟! وإلى متى القرار؟!

فإن كان الفقهاء يفتون كما جاء في البزازية: امرأة سبيت في المشرق وجب على أهل المغرب تخليصها.

فماذا يفتي علماؤنا بالآلاف من العواتق تنتهك أعراضهن في خدورهن؟

وماذا يجيبون في النساء اللواتي يلقين بأنفسهن في نهر (كونر في لغمان) فرارا بأعراضهن من الإنتهاك على يد الجنود الحمر، لأن المرأة لا يجوز لها باتفاق العلماء أن تستسلم للأسر إذا خشيت على عرضها.

أوما تخشى أن تدور الدائرة عليك ويصل الأمر إلى عرضك؟ ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته [24] فاتقوا الله في أعراضكم.

وقال حبان بن موسى: خرجنا مع ابن المبارك مرابطين إلى الشام، فلما نظر إلى ما فيه القوم من التعبد والغزو والسرايا كل يوم التفت إلي وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون على أعمار أفنيناها وليال وأيام قطعناها في علم (الخلية والبرية) - كنايات الطلاق - وتركنا هاهنا أبواب الجنة مفتوحة!

هذا ابن المبارك الذي كان يرابط شهرين أو أكثر في السنة، يدع تجارته ومجالس الحديث ويخرج للرباط، لأنه لم يرابط طيلة عمره وانشغل بالعلم عن الرباط، فماذا يقول الذين لم يطلقوا طلقة واحدة في سبيل الله؟!

إذا كان مرض الموت - الذي ألم برسول الله صلى الله عليه وسلم - لم يشغله عن تذكير الصحابة بإنفاذ بعث أسامة رضي الله عنه.

وعندما حاول أبو بكر الصديق أن ينفذ بعث أسامة حاول الصحابة أن يثنوه عن عزمه، فقال كلمته المشهورة: والذي لا إله غيره لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشا وجهه رسول الله ص، ولا حللت لواء عقده رسول الله [25].

ويشاء الله أن تكون آخر وصايا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حث الناس على الجهاد إذ يستدعي أبو بكر عمر في آخر ساعات حياته قائلا: إسمع يا عمر! أقول لك ثم إعمل به، إني لأرجو أن أموت من يومي هذا - وذلك يوم الإثنين - فإن أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، وإن تأخرت إلى الليل فلا تصبحن حتى تندب الناس مع المثنى، لا يشغلنكم مصيبة - وإن عظمت - عن أمر دينكم، ووصية ربكم، وقد رأيتني متوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما صنعت، ولم يصب الخلق بمثله، وباللهلله لو أني تأخرت عن أمر رسوله لخذلنا الله ولعاقبنا، فأضرمت المدينة نارا [26].

فلقد أدرك أبو بكر - خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم - أن التأخر في تنفيذ أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالنفير إلى الجهاد عاقبته الخذلان ومآله الخسران.

هذا كتاب الله يحكم بيننا، وهذه سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ناطقة شاهدة علينا، وهذا هدي أصحابه في فهمهم لأهمية الجهاد في هذا الدين، فهل لنا من تعقيب على هذه النصوص المتواترة المتوافرة الناصعة الجلية القاطعة؟ لقد وصل اللص إلى داخل خدور المؤمنات، فهل ندعه؟! ينتهك الأعراض ويمسخ القيم ويجتث المبادئ؟!

رب وامعتصماه انطلقت

لم تلامس نخوة المعتصم ... لامست أسماعهم لكنها

فأين زمجرة الأسود ... لقد أخذ الروس مائتين وخمسة آلاف من أطفال المسلمين الأفغان لتربيتهم على العقيدة الشيوعية ولغرس الإلحاد في أعماقهم، وقرر الأمريكان فتح ستمائة مدرسة، وتعهد مائة وخمسة آلاف من أطفال الأفغان في الداخل والخارج بالتربية والتعليم.

فأين دعاة الإسلام؟ وأين المربون المسلمون؟ وماذا أعدو لإنقاذ الجيل المسلم ومن أجل رعاية هذا الجيل المبارك العظيم.

لقد نص الفقهاء على أن بلاد المسلمين كالبلد الواحد، فأي بقعة من بقاع المسلمين تعرضت لخطر وجب أن يتداعى جسد الأمة الإسلامية كلها لحماية هذا الشلو الذي تعرض لغزو الجراثيم.

ماذا على العلماء لو حرضوا الشباب على الجهاد؟ سيما والتحريض فرض.

(وحرض المؤمنين) (النساء: 84).

ماذا على الدعاة لو خصصوا سنة من حياتهم للعيش بين المجاهدين يوجهون ويرشدون؟

ماذا على طلاب الجامعة لو أج لوا سنة من دراستهم لينالوا شرف الجهاد وليسهموا بأنفسهم في إقامة دين الله في الأرض؟

(رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون) (التوبة: 87 - 88).

ماذا على الأئمة لو أخلصوا النصح لمن يستنصحهم بالخروج في سبيل الله بالدم والروح؟

إلى متى يثبط الشباب المؤمن ويعوق عن الجهاد؟ الفتية الذين تضطرم أفئدتهم نارا وتتفجر حماسا وتلتهب غيرة لتسقي تربة المسلمين بدمهم الطاهر.

إن الذي ينهى شابا عن الجهاد لا يفرق عن الذي ينهاه عن الصلاة والصوم.

أما يخشى الذي ينهى عن الجهاد أن يدخل - ولو بطريقة غير مباشرة - تحت المعنى العام للآية الكريمة في قوله تعالى: (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا * أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا) (الأحزاب: 18/ 19).

ماذا على الأمهات لو قدمت الواحدة منهن أحد أبنائها في سبيل الله يكون عزا لها في الدنيا وذخرا لها في الآخرة بالشفاعة؟

ماذا على الآباء لو دفعوا بأحد أبنائهم ليشب في مصانع الأبطال وميادين الرجال وساحات النزال؟ وليهب أحدهم أن الله خلقه عقيما، فمن شكر النعمة أن يؤدي زكاة أولاده شكرا لربه.

أنفس هو خالقها، وأموال هو رازقها، فلم البخل على رب العالمين؟ البخل على المالك بما يملك، مع العقيدة الراسخة بأنه (لن تموت نفس حتى تستكمل أجلها ورزقها).

ماذا على المسلمين لو سطروا في صحائف أعمالهم وديوان حسناتهم أياما من الرباط، وساعات من القتال؟

وقد ثبت في الحديث الصحيح: رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وفي الحديث الحسن: (رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل يقام ليلها ويصام نهارها)، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والترمذي في صحيح الجامع (4503): (قيام ساعة في الصف للقتال في سبيل الله خير من قيام ستين سنة).

فيا أخوة الإسلام أقبلوا لحماية دينكم ونصرة ربكم وإعلاء سنة نبيكم.

أيها الأخ الحبيب: إمتشق حسامك وأعل صهوة جوادك وامسح العار عن أمتك، إن لم تقم بالعبء أنت فمن يقوم به إذن؟

أيها الأخ الكريم:

طال المنام على الهوان

ونحن في ذل العبيد ... واستنسرت فئة البغاث

وليس من زرد الحديد ... ذل العبيد من الخنوع

فيا خيل الله اركبي!!

أيها الأخ العزيز: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) (يوسف: 111).

فقصة بخارى الدامية، ورواية فلسطين الجريح، وعدن المحترقة، والأوجادين الأسيرة، وأحاديث الأندلس الأسيفة، وأرتيريا الأليمة، وبلغاريا المكلومة، والسودان مع جرنك المحزنة، ولبنان الممزقة أشلاؤها، والصومال وبورما وتشاد وقفقاسيا بجراحاتها العميقة، وأوغندا وزنجبار وأندونيسيا ونيجيريا ... ذات الملاحم والمآسي خير عبرة لنا، فهل نعتبر فيما مضى قبل فوات الأوان؟ أم تجري علينا السنن ونحن نتجرع الهوان ونندثر كما اندثروا ونضيع كما ضاعوا؟ ونحن نأمل من الله أن يندحر الروس في أفغانستان، ويرتدوا على أعقابهم خائبين، وإن كانت الأخرى، فليت شعري أي داهية تحل بالمسلمين؟

فقد روى أبو داوود بإسناد قوي عن أبي أمامة مرفوعا: من لم يغزوا أو يجهز غازيا ولم يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة

(إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) (ق: 54).

ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

[24] حديث حسن رواه أبو داود عن جابر/صحيح الجامع 5566

[25] حياة الصحابة 1/ 440

[26] حياة الصحابة 1/ 141

الحق بالقافلة · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحق بالقافلةص ٤