تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إكبار نظرت إلى الشجرة الباسقة عن بعد، والريح تعصف من حولها؟ وكنت أفكر فى عظمة الله البادية فى الأنفس والآفاق، فرأيت غصنا مورقا فى ذوائبها، تعلو به الريح فينتصب قائما، ثم تتركه فيهوى ساجدا، خُيل إلىَّ أنه يصلى! ليكن من أمره ما يكون، إن الشجرة كلها؟ وظلالها من تحتها تندرج فى قوله تعالى: (أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون) إن الذى عنانى ليس هذه الشجرة، إن الذى استوقفنى هو الريح المتحركة حولى وحولها، ما هى؟ تيار من الهواء يندفع بقوة أو لين هنا وهناك! فما هذا الهواء؟ وما علاقتى به؟ يقولون: إن الغلاف الهوائى يحيط بأرضنا عشرات الأميال ثم ينتهى ويتلاشى، إنه خلق لنتنفس فيه، وحياتنا تتصل من الشهيق والزفير المتواصلين يمدان أجسامنا بما يجدد الدماء وينشط الأعضاء. على أننا لسنا وحدنا الذين نعيش به، هناك أمم من الدواب والطيور والحشرات تشاركنا العيش على ظهر الأرض، والتنفس فى هذا الهواء وسمعت أمس درسا فى عالم الحيوان يقول: إن الطيور تصطاف فى أوروبا، وتشتو فى إفريقية، وإنها فى رحلتها ذاهبة آيبة قد تعتمد على الطيران الانسيابى وتيار الهواء من تحتها، فتضم أجنحتها وتنطلق. كما يقع أحيانا للسباحين الذين يتخذون بين الأمواج وضعا معينا، ثم يتركون التيارات البحرية تتقاذفهم! قلت لنفسى: أين يذهب الهواء الخارج من صدرى؟ كم صدرا يدخله بعدى؟ وبعد تردده فى عشرات أو مئات الصدور أين يستقر؟ إن الرياح تسافر به مسافات شاسعة! رُبَّ نفس أرسله غير مكترث به يتجه غربا مع تيارات الريح فيتجاوز الصحراء الكبرى إلى المحيط الأطلسى؟ وأنا فى وادى النيل، أو يتجه شرقا إلى جزيرة العرب ص _154

الحق المر · الصفحة ٦٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحق المرص ٦٨٨