تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والواقع الذى نراه فى عالمنا شاهد صدق على صحة هذه الآثار، ونحن نعانى من اضطراب خطير فى المفاهيم، ومن اضطراب أخطر فى الحكم على الأشياء من اضطراب المفاهيم ما شكا منه الشاعر القديم: إذا قلت يوما لمن قد ترى أرونى الشريف أروك الغنى ! والغنى ليس دلالة الشرف إلا فى مجتمعات الأكل.. والقلب الملىء بالنبل أشرف من نعل محشوة ذهبا!! وقد أعجبنى ما كتبه الأستاذ " محمد الحيوان " يكشف فيه فنونا من التناقض فى أحوالنا الإدارية؟ تحت عنوان لماذا نأخذ بتقارير الشرطة فى المسائل السياسية، ولا نأخذ بها فى المسائل الأخلاقية؟ إذا كتب تقرير عن أحد بأنه إسلامى يمنع تعيينه أو تؤخر ترقيته ويضيع حقه، وقد يكتب تقرير عن أحد الناس بأنه مصاب بانحراف، ومع ذلك تسند إليه وظيفة كبيرة، وقد يكتب عنه أنه مقامر، ومع ذلك يتولى عملا له مسئوليات جسام، وقد يقال: هذه السيدة فى حالة تسيب ؛ ومع ذلك توضع فى مكان السيطرة، أو أن هذا الرجل يعمل فى السوق السوداء، ومع ذلك نوليه الإشراف على السلع التموينية، أى أننا نحاسب السياسيين ولا نحاسب الخائنين والمرتشين... ومهزلة نواب المخدرات لها أكثر من دلالة، وأحسب أن فصلهم كان سيتم لو أن الشواهد أثبتت أنهم من الأصوليين!! بل ما كانوا ليدخلوا المجلس أصلا!! أعتقد أن قضية الأخلاق الخاصة أو العامة يجب أن تشغلنا. إن تقدم الغرب لا يرجع إلى تفوقه الصناعى أو العسكرى قدر ما يرجع إلى النظم الأخلاقية، والتقاليد المحكمة التى تسود أرجاءه.. وكثيرا ما أرى مشكلات كثيرة التعقيد، أعجزت من تصدى لحلها، وما هذا العجز إلا لأنهم عموا عن الداء الدفين، داء القلب الميت والخلق السائب، أو ما عناه القرآن الكريم عندما قال : (و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان أمره فرطا). القلب الغافل والشهوة الغالبة، والأحوال الفرط، تلك هى عللنا التى أودت بنا وأخرت جماعتنا وهزمتنا في كل صراع. ص _099

الحق المر · الصفحة ٦٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحق المرص ٦٣٥