والمعنى الثانى أن الصورة هى الصفة، ويستحيل على قيم السماوات والأرض ورب الملكوت الأعلى أن يشكل من طينة الأرض تمثالا على هيئته- سبحانه- ولكنه نفخ فى الجسد من روحه فأصبح الإنسان عاقلا قادرا مريدا متكلما إلى آخره.. ولا أستطرد فى ذكر مواضع الخلاف، فهى فى نظرى قد صارت فى ذمة التاريخ، لماذا؟ لقد كان المسلمون يختلفون بعد ما دانت الدنيا لهم، وبعدما سيطرت جيوشهم على المشارق والمغارب، كانوا يطعمون من أرضهم، ويلبسون من نسيجهم، ويصنعون أسلحتهم من معادنهم، ويتداوون من عقاقيرهم.. كان هذا الخلاف لونا من الترف العقلى يسود الحضارات المنتصرة المستقرة. ثم إن خلافا كثيرا نشأ عن ترجمة فلسفة يونان وهذه الفلسفة قد سقطت عن عرشها فى العصر الحديث، فأمسى ما انبنى عليها سلبا كان أم إيجابا لا موضوع له. وبقى لنا نحن المسلمين ما نعض عليه بالنواجذ، ما نتشبث به إلى آخر رمق، ما نحيا به ونموت عليه، وهو كتاب الله وسنة نبينا. وقد قامت دولة الخلافة وانسابت جيوش التحرير فى أقطار الأرض وهى لا تعرف شيئا عن هذا الخلاف كله، فليكن بناؤنا على الدعائم التى وضعها أولئك الآباء. إننى قرأت باستنكار كتابا من تأليف أحد علماء " نجد " يعيد فيه الحرب القديمة بين المتكلمين، وعنوان الكتاب "عقيدة أهل الإيمان فى خلق آدم على صورة الرحمن"!. ووددت لو عاش هؤلاء العلماء فى عصرهم، وأحسوا مشكلات أمتهم ! إن الموضوع الذى أثاره لا يتصل بكفر ولا إيمان، وهو إن دل على شىء فعلى أن الغيبوبة الفكرية التى تسيطر على بعضنا تهدد مستقبلنا كله. الأخ الكاتب لا يعرف أن الأقمار الصناعية تصور الآن أسطح النجوم البعيدة، وأعماق البحار القريبة، فى وقت يرتدى هو ملابسه من مصانع الشرق والغرب لأننا لا نصنع شيئا غير إثارة المشكلات التى ماتت، وإمساك الهراوات لضرب مخالفينا فى الرأى. ص _191
الحق المر · الصفحة ٤٦٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الحق المرص ٤٦٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي