والبشر فى الدنيا ما كانوا يعلمون الغيب، فلن يطلعوا عليه، بعد مماتهم، ولن يعرفوا مصائر الآخرين إلا بعد أن ينتقلوا من هذه الدار إليهم، وخير لكم ـ معشر المسلمين ـ أن تصلحوا أنفسكم، وأن تقبلوا على شئونكم توجهونها إلى مرضاة ربكم بدل هذا البحث فيما لا يغنى. وهنا قام شيخ بدين شديد الثقة بنفسه يقول: بل الأرواح تعرف ما نحن فيه، وترقبنا فى عليائها، وأول هذه الأرواح الرسول الأعظم يقول: " حياتى خير لكم، ومماتى خير لكم، تعرض على أعمالكم فما وجدت من شر استغفرت الله لكم " وفى كتاب الروح لابن القيم أدلة كثيرة على ما أقول. ووجدتنى مرة أخرى قد استدرجت إلى جدل عقيم من النوع الذى أبغضه، ولكن لابد من الإيضاح، فقلت للشيخ المعترض: لقد جاء فى الصحاح " أن ناسا من أصحاب رسول الله قريبين منه يسحبون بعيدا عنه ـ يوم الحساب ـ فيقول : أصحابى أصحابى أين تذهبون بأصحابى؟ فيقال له: أنت لا تدرى ما أحدثوا بعدك " فهذا نص على أنه لا يعرف حال أقرب الناس منه، وحديثك الذى ذكرته لا يساوى شيئا، وكتاب الروح لابن القيم إن صحت نسبته إليه فهو كتاب رؤى وحكايات لا يؤخذ منه حكم دينى. وحدث الضجيج الذى كنت أخافه، فإن الشيخ وزمرته كرهوا مقالتى، وما ساءنى أن يكرهوا قولى، ولكن الذى ساءنى أن يكون الناس فى واد، ونكون نحن فى واد آخر، نتجادل فى أمور لا خير فيها ولا طائل تحتها، ثم ننقسم حولها متخاصمين فى وقت قرر فيه أعداء الإسلام أن يجهزوا عليه وعلى أمته. لقد كان فى الأحداث الهائلة التى مرت بنا ما يوقظ النيام، ويزعج أولى الغفلة، ولكن العلل القديمة لا تزال تفتك بنا، وتضرب بعضنا ببعض، وتجعل البعض يقاتل من أجل عدم أخذ شىء من شعر اللحية، وينسى الدواهى التى تزلزل البلاد والعباد. * * * ص _058
الحق المر · الصفحة ١٠١٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الحق المرص ١٠١٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي