وقد أخذ جماعة من العلماء هذا الدليل الخبرى العقلي ، وأدخلوا عليه شيئاً من التكلف والصناعة الكلامية ، فقالوا : إن نسبة الممكن إلي طرفيه الوجود والعدم على السواء ، فلو وجد بدون سبب خارج عن ذاته وحقيقته ، لزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح ، ولو أوجد نفسه ، لزم مع ذلك أن يكون متقدماً على نفسه باعتباره خالقاً لها ، متأخراً عنها باعتباره مخلوقاً لها ، وتقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها باطل بالضرورة لما فيه من التناقض الواضح ؛ فثبت أن العالم لا بد له من موجد غير ذاته وحقيقته ، ولا بد أيضاً أن يكون واجب الوجود لذاته ، مختلفاً عن العالم في خواصه وصفاته ن " ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: من الآية11)، ذلك ليصح أن يستند إليه العالم في وجوده بدء ودواماً ، إذ لو كان مستحيلاً لما صح أن يكون منه خلق أو تقدير ؛ لأن المستحيل عدم محض ، وفاقد الشيء لا يعطيه ، ولو كان ممكناً ، لافتقر إلي من يرجح على عدمه كما سبق بيانه ، فإن استمرت الحاجة فاستند كل في حدوثه إلي نظير له من الممكنات ؛ لزم إما الدور القبلي وإما التسلسل في المؤثرات ، وكلاهما باطل باتفاق العقلاء
وإذا انتفى عنه الإمكان والاستحالة ، ثبت له وجوب الوجود لذاته ، ضرورة أن أقسام الحكم العقلي ثلاثة : الوجوب ، والإمكان ، والاستحالة ، وقد انتفى اثنان ، فتعين الثالث ، وهو وجوب الوجود.