قال تعالى : ()هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد:3) ومن نظر فيما ترشد إليه الآيات نظراً ثاقباً ، وفكر فيما توحى به سنن الله في المخلوقات – من عجائب خلقها – من عجائب خلقها ، وحسن تنسيقها ، وشد أسرها – تفكيراً عميقاً ، وبحث في أحاكمها وبديع صنعها بحثاً برئياً من الهوى والحمية الجاهلية ، وأنصف مناظره من نفسه – فلم يمنعه من فهم ما عرض عليه من الحق والإذعان له كبر يرديه ، ولا عناد يطغيه - ؛ اتضح له الهدى ، واضطره ذلك أن يؤمن من أعماق قلبه بأن للعالم رباً خلاقاً فاعلاً مختاراً حكيماً في تدبيره وتقديره ، أحاط بكل شيء علماً ، وهو على كل شيء قدير.
ومع قيام الدليل ووضوح السبيل ، تعامى بعض الناس عن الحق ، ومن أولئك : فرعون موسى ؛ فإنه أنكر بلسانه ما استيقنت به نفسه وشهدت به الفطرة وقام عليه الدليل ، من وجود واجب سبحانه ، فأقام موسى عليه الحجة بدلالة الأثر على المؤثر والصنعة على الصانع ، فوجود الخلق وعظم شأنه دليل على وجود الخالق وعظم قدرته وقدره ، وسعة علمه وكمال حكمته ، فألقمه الحجر.
وذلك بين فيما حكاه الله عنهما من الحوار والسؤال والجواب ، قال تعالى : ()فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء:16) ( قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) (الشعراء:29)